وانظر أخي القارئ كيف حمل صلّى اللّه عليه وسلّم الجميل للأنصار وأقرّ به في يوم عظيم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم :
« هاجرت إلى اللّه وإليكم » .
د - إعلامه صلّى اللّه عليه وسلّم الأنصار بشيء من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا اللّه عز وجل ، ولا يقدر على الوفاء بها إلا هو جل في علاه ، ألا وهي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيموت في المدينة ويدفن فيها ، وقد يكون هذا مما أوحاه اللّه له في هذه الواقعة ، وقد تكون أيضا مكافأة منه عز وجل للأنصار على ما قدموه لدين اللّه حتى تم الفتح والنصر ، ورد في الحديث : « فالمحيا محياكم والممات مماتكم » . كما أن فيه أمر غيبي آخر ، وهو أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سيبقى في المدينة بقية حياته المباركة ، ولن يكون له مقام آخر في أي بلد من البلدان .
قال الإمام النووي - رحمه اللّه - في شرح كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني هاجرت إلى اللّه وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله . تعالى . ، بل أنا ملازم لكم ، فلا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم ، وهذا أيضا من المعجزات » « 1 » .
ه - تأدب الأنصار . رضي اللّه عنهم . في حديثهم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ قدموا له العذر على مقولتهم ، حيث قالوا : « واللّه ما قلنا إلا ضنّا باللّه ورسوله » والضن هو البخل بالشيء والحرص عليه ، ولا يخفى ما في هذه المقولة من شدة حبهم لله ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
قال الإمام النووي . رحمه اللّه . شرحا لمقولة الأنصار : « واللّه ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم » « 2 » .
و . جميل خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنه قبوله للعذر ، إذ رضي من الأنصار عذرهم وأحسن الظن بهم فصدقهم ، وكأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد شعر بالمصيبة التي ظنوا أنها واقعة بهم إذ لم يرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معهم إلى المدينة ، ورد بالحديث على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فإن اللّه ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم » .
4 . رحمته صلّى اللّه عليه وسلّم العامة بالناس ، وحرصه على هدايتهم يتبين ذلك من :
. تكذيبه لمقولة سعد بن عبادة عندما قال : « يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة » ؛ أي :
المقتلة العظيمة ، وردّ عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم اللّه فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة » ، وهذا يدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن متعطشا للدماء ، بل كان
هامش
( 1 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ( 12 / 129 ) .
( 2 ) انظر شرح النووي على صحيح مسلم ( 3 / 178 ) .