ومنهم ابن خطل وكان وقتها متعلقا بأستار الكعبة ، كما أمر صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان بن طلحة رضي الله عنه أن يأتي بمفتاح الكعبة ، فدخلها وصلّى فيها ، ومكث فيها نهارا طويلا ، كما نادى صلّى اللّه عليه وسلّم في الناس بمقولته المشهورة : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن » ، وما إن سمعت الأنصار هذه المقولة حتى خافت أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حنّ لعشيرته وأنه قد يتركهم يعودون إلى المدينة وحدهم ، فطمنهم بل وبشرهم بما أسعدهم ، كما أجار صلّى اللّه عليه وسلّم من أجارت أم هانئ ، وحطم صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك اليوم ثلاثمائة وستين صنما كانت حول الكعبة تعبد من دون اللّه عز وجل ، وهو يردد قوله تعالى :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
، ثم خطب في اليوم الثاني من الفتح خطبة أعلم فيها الناس أن مكة قد عادت حراما ، وأن اللّه .
سبحانه وتعالى . لم يحلّها لأحد من قبله ولا من بعده .
عن أبي هريرة قال : وفدت وفود إلى معاوية ، وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطّعام ، فكان أبو هريرة ممّا يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت : ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي ؟ فأمرت بطعام يصنع ، ثمّ لقيت أبا هريرة من العشيّ ، فقلت : الدّعوة عندي اللّيلة ، فقال : سبقتني ؟ قلت : نعم ، فدعوتهم ، فقال أبو هريرة : ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ، ثمّ ذكر فتح مكّة فقال : أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى قدم مكّة فبعث الزّبير على إحدى المجنّبتين ، وبعث خالدا على المجنّبة الآخرى ، وبعث أبا عبيدة على الحسّر ، فأخذوا بطن الوادي ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كتيبة ، قال : فنظر فرآني فقال : « أبو هريرة ؟ » . قلت : لبّيك يا رسول اللّه ، فقال : لا يأتيني إلّا أنصاريّ - زاد غير شيبان - فقال : اهتف لي بالأنصار ، قال : فأطافوا به ووبّشت قريش أوباشا لها وأتباعا ، فقالوا : نقدّم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنّا معهم ، وإن أصيبوا أعطينا الّذي سئلنا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم » ثمّ قال بيديه ، إحداهما على الآخرى ، ثمّ قال : « حتّى توافوني بالصّفا » ، قال : فانطلقنا فما شاء أحد منّا أن يقتل أحدا إلّا قلته وما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا ، قال : فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول اللّه أبيحت خضراء قريش ، لا قريش بعد اليوم ، ثمّ قال : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » ، فقالت الأنصار بعضهم لبعض : أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته ، قال أبو هريرة : وجاء الوحي ، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا ، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى ينقضي الوحي ، فلمّا انقضى الوحي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معشر الأنصار » قالوا : لبّيك يا رسول اللّه ، قال : « قلتم : أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته ؟ » قالوا : قد كان ذاك ، قال :