تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
أحكام الله ، وهذا منتهى سوء الأدب مع الخالق . 3 - المسلم الذي يحكم عقله مع تسليمه بأن اللّه هو الخالق ، قد ناقض عقله ، وذلك أن أثبت لله شيئا ، وسلب منه لازم هذا الشيء ، فمن لوازم تفرد الله بالربوبية أن يكون له الخلق والأمر ، قال تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 54 ] ، ومعنى الآية أن جميع الخلق لله وأمرهم أيضا لله ، يحكم فيهم وبينهم كيفما يشاء ، الدليل على ذلك أن اللّه عزّ وجلّ لما تكلم في صدر سورة ( طه ) عن إنزال القرآن الذي فيه الأمر والنهي ، وكل ما يحتاج إليه العباد إلى قيام الساعة ، قال - سبحانه وتعالى - :
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى
( 4 ) [ طه : 4 ] ، فكأنه يقول للعباد : وجب عليكم العمل بهذا الكتاب الكريم ؛ لأنه من الخالق الذي خلق كل شيء ، فكيف ترضون به خالقا ، تتنعمون بملكه وتتقلبون في نعمه ، ولا ترضون به آمرا ناهيا ؟ وتقول لهم أيضا : هل يختلف أحد في عظيم ملكه وبديع صنعه ، قال تعالى :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
، فكما أنه - سبحانه - أبدع كل شيء خلقه ، فقد أحكم كل شيء شرعه ، فلماذا نتفق على عظيم خلقه ونختلف على عظيم حكمه ، وبالمناسبة أقول : إن من بدائع القرآن أنه يستدل دائما على صدقه في المنقول بإثبات صدقه في المعقول ، وعلى صدقه في أمور الغيبيات بصدقه في أمور المشاهدات ، ألم تسمع لقوله - تعالى - :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
( 12 ) [ آل عمران : 12 ] ، ونزلت هذه الآية قبل غزوة بدر ، التي هزم فيها الكفار هزيمة منكرة ، وكما صدق اللّه عزّ وجلّ في النبوءة الأولى ، وهي أنه سيحدث قتال بين المسلمين والكفار ، وأن النتيجة هي هزيمة الكفار ، فسيصدق في النبوءة الثانية ، والتي فيها إثبات يوم القيامة ، وإثبات جهنم ، وأنها مثوى الكافرين ، وأن الذين سيقتلون في بدر سيكون مصيرهم جهنم ، كما أثبتت الآية أن اللّه قد جعل في جهنم أشد أنواع العذاب حيث أثبتت الآية أنها بئس المستقر والمال ، ومثل هذا في القرآن كثير ، فتدبر . 4 - الذي يريد أن يحكّم عقله في أمور الدين ، حتى يتأكد أو يتضح له أنها صالحة ، أو أنها تلبي حاجاته ، ولا تتعارض مع مصالحه ، قد حكم على اللّه بثلاثة أمور عظيمة هي : الأولى : أنه حكم وألزم العباد كلهم بأوامر واحدة ، ولم يعلم أنها قد لا تصلح لقرن من القرون أو أمة من الأمم أو حتى فرد من الأفراد . الثانية : أن اللّه خلق الخلق ، ولم يحط بما ينفعهم أو يضرهم ، واللّه يقول لهؤلاء