تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
أقول : إن هذا كله من مداخل الشيطان ، وسوء أدب مع اللّه ورسوله ، وذلك للأسباب التالية : 1 - الشيطان حريص على أن يبعد المسلم عن دينه بحجج واهية ، وقد تصيب هذه الحجج هوى في نفس المسلم ، وقد تصيب أيضا جهلا منه ، وأعظم هذه الحجج أن يأتي له عن طريق العقل ، وأن اللّه فضل الإنسان على الحيوان بالعقل ، بل كرمه على سائر المخلوقات بالعقل ، فكيف تفعل أي شيء قبل أن تحكّم عقلك ، يقصد بذلك أن يصده عن العمل ، دون أن يقول له : لا تفعل الأمر ، أو يقول له : افعل الحرام ، ولكن النتيجة واحدة ، وهي أن المسلم ارتكب المخالفات ، والسؤال كيف يرد المسلم كيد الشيطان ؟ . الإجابة بسيطة وهي أن يقول له : يا هذا لم يخلق العقل لهذا « 1 » ، وأدلة ذلك كثيرة . الدليل الأولى : لم يكن من عادة الصحابة ، وهم خير القرون ، أن يراجعوا النبي في حكم اللّه ورسوله ، ومن أعظم الأدلة على ذلك الحديث الذي معنا ، فإن الصحابة لم يراجعوا الرسول فيه كما ذكرت ، مع أن بعضهم كان حديث عهد بالإسلام . الدليل الثاني : أن عقول الناس تختلف من زمان إلى زمان ، ومن بلد لآخر ، بل من شخص لآخر ، حتى الأشقاء في المنزل الواحد ، مع أن تعليمهم من مشرب واحد ، إلا أنك تجد بينهم تفاوتا عظيما في مداركهم ، فهل من المعقول أن تكون هذه العقول المتفاوتة ، وهذه المدارك المتباينة هي الحكم على حكم اللّه ورسوله ؟ الدليل الثالث : أن اللّه عزّ وجلّ لما تعبدنا ب ( افعل ولا تفعل ) ، ورتب الجزاء على الطاعات ، والعقاب على المعاصي ، لم يربط الأحكام بالاقتناع ، ولم يعذرنا بعدم إدراك الحكمة ، فلم يجعل للعقل مجالا للاختيار ، فمن يفعل يثاب ، ومن يعص يعاقب ، وعلى هذا مدار التشريع كله ، ومن عنده ما يناقض ذلك من القرآن أو السنة الصحيحة فليأت به . فإذا سأل سائل : ما هو فائدة العقل إذن ؟ نقول له : تأمل القرآن الكريم بتدبر ، تعلم جيدا ما فائدة العقل ، فسيتضح لك سريعا أن فائدته أن يدلك على أعظم ما في هذا الوجود ، وهو أمر التوحيد ، فقد أتى اللّه عزّ وجلّ بأدلة عقلية منطقية ، على أنه الإله الواحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في الأمر والخلق ، وأنه ليس معه إله آخر يعبد ، ولا رب سواه يرجى ، وليت المجال يسمح بالاستفاضة ، ولكن أعرض أدلة موجزة واضحة توضح المراد ،
هامش
( 1 ) يعني : لم يخلق العقل للمجادلة في أمر الله ورسوله أو مناقشته بعد ثبوته .
شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 267 | أحمد عبد الفتاح زواوي