تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
أقول : ليس المراد من سرد الآيات اطلاع القارئ عليها ؛ فهي معلومة لكل أحد ، ولكن المراد بيان أن هذا التحدي هو في ذاته معجز ، وأن اللّه عزّ وجلّ قد ألزمهم به الحجة ، وأنه دليل لكل ذي لب على أن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد ، وذلك أن العرب في زمن البعثة كانوا أبلغ الناس فصاحة وبلاغة ، وكانوا يقيمون الأسواق والمنتديات ؛ ليتباروا في كتابة المعلقات ، وهذا لا ينكره أحد ، فأن يأتي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - على سبيل التنزل مع المجادلين - فيضع نفسه في مأزق أمام أصحابه وعشيرته ، الذين آمنوا به وبايعوه على أنه نبي من عند الله ، فيأتي ويتحدى المكاذبين له أمام الناس أجمعين ، ويسجل ذلك في القرآن ، ويقترح عليهم أن يتظاهروا ويتساعدوا فيما بينهم ، ليأتوا بمثل هذا القرآن ، فلا يشترط عليهم ، تحرزا لنفسه ، أن يأتوا به فرادى ، بل يتحدى الإنس والجن معا ، وما يدريه ما عند الجن من قوة ، فضلا على ما عند العرب مما ذكرنا من فصاحة وبلاغة وبيان ، ما الذي يدفعه لذلك ، ويضحّي بما وصلت إليه منزلته عند أصحابه ، فلمّا عجز العرب عن ذلك لم يسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد تحقق له ما أراد من تعجيزهم ، بل يتنزل معهم ، فيتحداهم بالإتيان بعشر سور ، فيعجزون ، فلا يرضى المتحدي بهذا التعجيز الظاهر ، ويصر على إكمال التحدي ، في سورة واحدة ، وفي كل مرة يرتفع شأنه أكثر عند أصحابه ويكون دافعا لهم على رسوخ الإيمان ، بمن أنزل القرآن ، وبمن أنزل عليه القرآن ، وفي المقابل يحتقر شأنهم أكثر بعجزهم فيما برعوا فيه ، ألم يفكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ماذا سيكون الموقف إذا وفّقوا في هذا التحدي ، أو رأى وسمع أصحابه من يأتي بمثل القرآن . والسؤال الآن لماذا لم يستطيعوا أن يأتوا بالسورة ، مع وجود الدافع ، وانتفاء المانع ، فقد حرصوا كل الحرص على تكذيبه وإبطال دعوته ، فقالوا : شاعر ، . وقالوا : كاهن ، وقالوا : مجنون ، وكادوا له بكل أنواع الكيد ، قال تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
( 54 ) [ آل عمران : 54 ] ، وقال - تعالى - :
وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
[ إبراهيم : 46 ] ، علمنا أن مكرهم الذي تزول منه الجبال ، وتضحيتهم بالمال والنفس والعرض والأولاد ، كان أيسر عندهم من الإتيان بسورة واحدة من القرآن ، وليعلم كل أحد أن إنكاره أن القرآن من عند اللّه - سبحانه وتعالى - سيوقعه في إشكال كبير ، وهو كيف يأتي رجل أمي ، لا يقرأ ولا يكتب بكلام يعجز العرب والعجم ، والإنس والجن مجتمعين ، فهل يعقل أن يكون هذا الذي أنزل القرآن بشرا ، وهل أتى بشر من قبله ، أو من بعده بكلام