تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
الحديث أخذه من فم أبي سفيان بن حرب رضي اللّه عنه بلا وساطة ، فقال : ( حدثني أبو سفيان من فيه إلى فيّ ) .

الفائدة الثّامنة :

قد يسأل سائل ، كيف تقبل الأمة هذا الحديث ، من أبي سفيان بن حرب ، وكان وقتها كافرا ، لم يسلم بعد ؟ أقول : إن هناك فرقا بين وقت تحمل الحديث ، ووقت أداء الحديث - أي روايته - فالأخير هو الذي يهم أهل الحديث ، فيجب أن يكون الراوي وقت الأداء ، مسلما صادقا عدلا ، فأبو سفيان وقت تحمل هذا الحديث كان كافرا ، ولكن عند الأداء كان مسلما ، مثاله الحديث الذي رواه البخاري عن محمود بن الربيع ، والذي ذكر فيه أنه عقل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجّة مجّها في وجهه ، وهو ابن خمس سنين « 1 » ، فوقت تحمل الصحابي هذا الحديث كان صغيرا لا تقبل منه الرواية ، ولكن قبلت منه الرواية لما كبر .

الفائدة التّاسعة :

في الحديث ذكاء هرقل وحكمته ، ويتبين ذلك في النقاط التالية : 1 - أنه لما جاءه كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدعوته إلى الإسلام ، لم يصدقه ولم يكذبه ، حتى يتأكد من أمره ، فتوسط في الأمر فقال : ( هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ) ، كما أن من حكمته أيضا ، أن سأل عن قوم يعرفون مدخله ومخرجه ليسألهم عنه . وهذا من حكمة الرجل ، التريث وعدم الحكم دون تروّ أو تفكر . وتذكّرنا هذه الواقعة بحكمة بلقيس ملكة سبأ ، والتي تنضح كل قصتها بالحكمة ، فنعم الملكة كانت ، لما جاءها كتاب سليمان عليه السّلام حكمت عليه بأنه كتاب كريم ، ولم تتخذ قرارا سريعا بل شاورت الملأ حتى لا يعتب عليها أحد إذا أخطأت في قرارها ، ثم أرسلت إلى سليمان هدية ، لتعلم هل يريد دنيا فيقبل هديتها ، أم يريد الآخرة فيرد عليها هديتها ، ثم لما رأت عرشها عند سليمان عليه السّلام ، تروّت في حكمها لما سئلت عنه ، فلم تستطع أن تنفي أنه عرشها ، لأنه مشابه جدّا له ، ولم تحكم أنه هو حيث تركته خلفها باليمن ، ولا يعقل أن يأتي قبلها فكانت من حكمتها أنها قالت :
كَأَنَّهُ هُوَ
[ النمل : 42 ] ، ولما دعاها سليمان عليه السّلام أن تدخل القصر - وأرض القصر ظهرت لها كأنها بحر عميق فإذا خافت ولم تدخل عيب عليها خوفها وهي ملكة ، وإن هي دخلت ابتل لباسها - فكل ما فعلته دون تردد أن كشفت عن ساقيها .
هامش
( 1 ) فتح الباري ( 1 / 37 ) .