تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩

الفائدة الخامسة :

قوله : « أسلم تسلم » ، منتهى البلاغة ، لما فيها من الجناس الاشتقاقي ، فالكلمتان من ثلاثة حروف فقط ، السين واللام والميم ، ومع ذلك تشتمل الكلمتان على معان كثيرة بحروف قليلة مع بديع الجناس ، أما المعاني الكثيرة ، فهي تشتمل على الأمر بالدخول في الإسلام والانقياد له ، وذلك في قوله : « أسلم » ، وهذا الأمر من الرسول في غاية القوة ؛ لأن فيه عدم مداهنة الكفار والتملق إليهم ، ولو كانوا في موضع قوة ، ويملكون ما لا نملك من العدد والعدة ، فمن أسلم فقد سلم في الدنيا من الحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ، وفي الآخرة من الخزي والخلود في جهنم ، ومن لم يسلم فلن يسلم من كل ذلك ، ففي قوله : « تسلم » ترغيب إن أسلم ، وترهيب إن لم يسلم ، لأن الذي يفوته مغانم السلامة ، سيناله مغارمها . لم يحتج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لبيان كل ذلك إلا بكلمتين خفيفتين على اللسان والأذن ، وذلك لما أعطاه اللّه من جوامع الكلم ، وهذه القوة في الدعوة . وعرض ما عندنا من حق ، ليست بغريبة على الرسل ، انظر إلى ما كتبه سليمان عليه السّلام إلى بلقيس في كتابه الكريم :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
[ النمل : 31 ] ، فسليمان لم يرجوهم ولم يستسمحهم ، بل أمرهم أمرا بالدخول في الإسلام ، وهم الذين لم يؤذوه ولم يناصبوه العداء ، بل لم يكن يعرف عنهم أي شيء قبل بلاغ الهدهد له بالنبأ المبين ، ولم يكن في هذا النبأ ما يعيبهم إلا قول الهدهد :
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ النمل : 2 ] ، هذا كل الذي أغضب سليمان عليه السّلام ، فجيّش لذلك الجيوش ، مع أن الملكة قد حاولت مصالحته ، وأن تبدي له أنها تريد السلام لا الحرب وأنها لا تعاديه ، فأرسلت له بهدايا عظيمة فلم يقبل تلك الهدايا ، لماذا ؟ والمثل الشائع يقول : الرسول قبل الهدية ، ولكنه لم يقبلها وردها عليهم بل وتوعدهم بالخروج من ديارهم أذلة ، لأنها رشوة ، في مقابل أن يسكت على ما هم فيهم من الشرك بالله ، وقد أكد اللّه - عز وجل - أن قتال الكفار واجب على المسلمين ، إلى أن يكون الدين كله في الأرض لله ، لا يعبد معه شيء آخر ، قال تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
[ الأنفال : 39 ] . قال الإمام النووي رحمه اللّه : ( وفيه استحباب المبالغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة ، فإن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أسلم تسلم » في نهاية الاختصار ، وغاية من الإيجاز والمبالغة ، وجمع المعاني ، مع ما فيه من بديع التجنيس وشمولاه لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل ، وأخذ الديار والأموال ، ومن عذاب الآخرة ) « 1 » .
هامش
( 1 ) شرح النووي على صحيح مسلم ( 12 / 108 ) .
شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 169 | أحمد عبد الفتاح زواوي