تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
ولكن الصحيح القول الأول ، وأن المراد به جبريل عليه السّلام كما يدل عليه السياق ، وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم رأى جبريل في صورته الأصلية - التي هو عليها - مرتين ، مرة في الأفق الأعلى ، تحت السماء الدنيا ، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولهذا قال :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى
( 13 ) [ النجم : 13 ] أي رأى محمد جبريل مرة أخرى نازلا إليه ) « 1 » . والقولان اللذان ذكرهما الشيخ في أول كلامه لا يتعارضان بل يجب الأخذ بهما جميعا ، فهذه الآية وإن نزلت في سياق الحديث عن حادثة المعراج لتثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تيقين ما رآه بقلبه ونظره ، إلا أنها عامة في كل ما أوحاه اللّه إليه من قبل ومن بعد ، فالعبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سبب نزولها . وصاحب النظر يرى أن الحاجة إلى تواطؤ قلب وبصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على تلقي الوحي ، أعظم من الحاجة إلى تواطؤ قلبه وبصره صلّى اللّه عليه وسلّم على ما رآه من مشاهد عظيمة ليلة الإسراء والمعراج ، فإذا كان اللّه - عز وجل - قد مكّن قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم من الرؤية ليلة الإسراء بحيث لا يكذّب قلبه أبدا ما رآه بصره ، فمن باب أولى مكن قلبه من الوحي طيلة حياته صلّى اللّه عليه وسلّم .

بعض فوائد الآية الكريمة :

الفائدة الأولى :

شدة قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم وقوته ، إذ ثبت القلب ولم يذهب مع عظيم ما رآه بالملأ الأعلى ، كما يؤخذ من الآية أيضا ، حضور قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم كحضور بصره سواء بسواء ، وكما أن القلب لم يكذب فإن البصر أيضا لم يذهل ، ولولا ذلك لاختلف ما يراه البصر عما يراه الفؤاد ولو في شيء قليل .

الفائدة الثانية :

نتعلم من الآية أن القلب هو الذي قد يغافل ويذهل خاصة في الوقائع العظيمة - وهذا هو المشاهد في الصلاة مثلا - ودليله من الآية أن اللّه - عز وجل - نفى عن القلب عدم الكذب فيما رآه البصر وما نفى اللّه - عز وجل - ذلك عن البصر .

الفائدة الثّالثة :

على المسلم في الملمات العظيمة أن يفرغ قلبه مما قد يشغله وينكب على ما هو فيه ، خاصة عند قراءة القرآن وفي الصلاة ، لأن حضور القلب أوعى للإنسان لما يراه ويسمعه ويقرأه .
هامش
( 1 ) تفسير السعدي ( 819 ) .