تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣

الفائدة الثّالثة :

أوضحت الآية رفيع قدر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند ربه - تبارك وتعالى . ، ونلمحه في أمرين توجّه بهما الخالق - عز وجل - لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وهما الأمر بالعفو عن المسلمين الذين أساؤا له صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويتبين من الآية أنه لولا عفو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم لأخذهم اللّه - عز وجل - بهذه الإساءة صغيرة كانت أو كبيرة ، والأمر الثاني : الاستغفار لأصحابه رضي اللّه عنهم ، ومنها يتبين فضل دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو كان استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم يتساوى مع استغفارهم لأنفسهم ولا يتفاضل عليه ، لأمر اللّه المؤمنين بالاستغفار لأنفسهم - خاصة أن الاستغفار عبادة - وقد ظهر هذا الأمر جليّا في قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
[ النساء : 64 ] ، وقوله - جل في علاه - :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
( 5 ) [ المنافقون : 5 ] . قال الشيخ السعدي رحمه اللّه : ( ثم أمره تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ويستغفر لهم في التقصير في حق اللّه فيجمع بين العفو والإحسان ) « 1 » . قلت : وهذا من أوجه التربية الفاضلة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ونقل الإمام القرطبي عن بعض العلماء كلاما لطيفا في حكمة تدرج أوامره لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية حيث قالوا : ( أمره أن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة ، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في الأمور ) « 2 » .

ثالثا : تزكية قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث صدقه وحضوره وعدم كذبه .

قال تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
[ النجم : 11 ] . قال الشيخ السعدي رحمه اللّه : ( أي : اتفق فؤاد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه اللّه إليه ، وتواطأ عليه سمعه وقلبه وبصره ، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه اللّه إليه ، وأنه تلقاه منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب ، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره ، ولم يشك في ذلك ، ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به ، من آيات اللّه العظيمة ، وأنه تيقّنه حقّا بقلبه ورؤيته ، هذا هو الصحيح في تأويل الآية الكريمة ، وقيل : إن المراد بذلك رؤية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لربه ليلة الإسراء وتكليمه إياه ، وهذا اختيار كثير من العلماء رحمهم الله ، فأثبتوا بذلك رؤية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لربه في الدنيا ،
هامش
( 1 ) تيسير الكريم الرحمن ( 154 ) . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ( 4 / 249 ) .