تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
وقال القرطبي : ( قوله تعالى :
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
يقتضي مدحا لنسب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه من صحيح العرب وخالصها ) « 1 » . 2 - شفقة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم البالغة بأمته حيث أوضحت الآية أنه يشق عليه كل ما فيه مشقة على أمته أو يسبب لها الحرج وهو العنت ، وهذا يدل أيضا على عظيم حبه لأمته صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن مظاهر حرصه على عدم إعنات الأمة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم راجع ربه لتخفيف عدد الصلوات المكتوبة ، حتى أصبحت خمس صلوات من أصل خمسين صلاة في اليوم والليلة . ويؤخذ من الآية أنه ليس في الدين كله أي أمر فيه مشقة أو عنت على المسلمين ، لأن اللّه ما كان ليشرع لهذه الأمة ما يشق عليها ، وهو يعلم أن هذا يشق على نبيه وخليله ، ولو حدث أن شرع لهذه الأمة ما فيه مشقة عليها لطلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التخفيف من ربه كما حدث في أمر الصلاة . 3 - حرص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى إيصال كل أنواع الخير إلى أمته ، ودفع كل أنواع الشر عنهم ، في معاشهم ومعادهم ، لأن هذا هو دأب الحريص على غيره ، وقيل : إن معنى
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
أي حريص على دخولكم الجنة ونجاتكم من النار . ويتفرع عليه كمال دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته ، لأن اللّه - عز وجل - لم يكن ليزكيه على حرصه على أمته دون أن يقوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدعوتهم على أكمل وجه . ومن زعم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخفى علينا شيئا من الوحي أو أن خيرا لم يدلنا عليه ، أو أن شرّا لم ينهنا عنه ، فقد كذّب بظاهر القرآن . 4 - وهي أعظم ما في الآية ، وهو الثناء على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث إن اللّه قد أثنى عليه باسمين من أسمائه الحسنى ، وهما الرؤف والرحيم ، ولو لم يكن في القرآن ثناء على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا هذا الثناء لكفى ، نقل القرطبي في تفسيره عن الحسين بن الفضيل قوله : ( لم يجمع اللّه لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه قال : بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وقال تعالى : إن اللّه بالناس لرؤف رحيم ) « 2 » . وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره : ( أي شديد الرأفة والرحمة بهم ، أرحم بهم من والديهم ولهذا كان حقّه مقدما على سائر حقوق الخلق وواجب على الأمة الإيمان به وتعظيمه وتعزيره وتوقيره ) . انتهى .
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 301 ) . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ( 8 / 302 ) .