قوم ، فخرج رجل ممّن صلّى معه فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد باللّه لقد صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكّة . فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلّي قبل بيت المقدس ، وأهل الكتاب فلمّا ولىّ وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ) .
قال زهير : حدّثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنّه مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم ؟ ! فأنزل اللّه تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
« 1 » .
الشاهد في الحديث :
أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلى قبل بيت المقدس ، ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، ولكن كان يحب أن تحول القبلة إلى المسجد الحرام ، قبلة إبراهيم عليه السلام ، وكان من علامات رجائه في تحويل القبلة ، أنه كان يقلب وجهه في السماء ، طلبا لذلك ، قال تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 144 ] .
ونلمح في الآية مدى إكرام اللّه - عز وجل - لنبي هذه الأمة ، في النقاط التالية :
1 - إثبات رؤية الله ، - سبحانه وتعالى - ، لكل أحوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى في حال تقليب وجهه في السماء متمنيا تحويل القبلة ، وهي رؤية خاصة ، علمنا منها عظيم الاعتناء به صلّى اللّه عليه وسلّم ، والدليل على أنها رؤية خاصة ، ذكرها في القرآن الكريم ، وأنه ببركتها قد تحقق مراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
2 - خص السماء بالذكر في قوله تعالى :
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
؛ لأن السماء مختصة بتعظيم ما أضيف إليها وما يعود منها ، حكاه القرطبي عن الزجاج .
3 - ما كان نسخ التوجه لبيت المقدس ، والأمر بالتوجه للمسجد الحرام ، إلا لإرضاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث ذكرت الآية كل الأفعال مضافة إليه :
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
،
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
،
قِبْلَةً تَرْضاها
،
فَوَلِّ وَجْهَكَ
، وبعد أن ذكرت الآية سبب تغيير القبلة ، والأمر الخاص الموجه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتوجه قبل المسجد الحرام ، وجهت الآية الأمر إلى الأمة ، وكأنها تابعة لنبيها ، قال تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
.
يتفرع على ذلك ، علمنا بعظيم قدر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند ربه - تبارك وتعالى - ، لأن القبلة وهي من أعظم شعائر الله ، - سبحانه وتعالى - ، تحوّل لإرضاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وينص القرآن الكريم على ذلك .
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الإيمان ، باب : الصلاة من الإيمان ، برقم ( 41 ) .