تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
( ومعك يا رسول الله ) ولكن انظر كيف توسطت وتأدبت ، مع مقام النبوة ، حيث قالت : ( ومعك يا رسول الله ) ولم تذكر في كلامها الشيطان ولم تنسبه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع أنه قال لها : « أوقد جاءك شيطانك » . وهذا الأدب ينبغي لنا أن نتحلى به عند الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكنت قد بوبت هذا الباب بعنوان : ( إسلام شيطانه ) ، ثم رأيت أن هذا من سوء الأدب مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث نضيف إليه الشيطان ، فغيرت العنوان إلى : ( إسلام قرينه ) ، ولما تدبرت الحديث ؛ علمت أن هذا الأدب ، قد سبقتني إليه أم المؤمنين رضي اللّه عنها فسبحان من جعلهم يسبقوننا في كل خير ، ولا نسبقهم في أي شيء .

الفائدة الثالثة :

بشرية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو بشر ، يجري عليه كل ما يجري على البشر من سنن اللّه الكونية ، ولا نثبت له ما يخالف البشرية ، إلا بدليل من الكتاب أو السنة ، حتى لا نقع في الغلو الذي نهينا عنه ، والذي أهلك من كان قبلنا ، فقد روى البخاري عن ابن عبّاس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر : سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم ، فإنّما أنا عبده ، فقولوا : عبد اللّه ورسوله » « 1 » . فما كان لنا أن نحكم أو نعتقد بإسلام قرين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا بعد ثبوت الدليل على ذلك ، ويجب أن يكون الدليل صحيحا صريحا ، حتى لا نقع في الكذب على اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد أثبت اللّه - عز وجل - ، في القرآن الكريم ، بشرية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في آية لا تحتمل التأويل قال تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[ الكهف : من الآية 110 ] . وهذه الآية أصل أصيل في إثبات كل الصفات البشرية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلا ما ورد الدليل بغيره ، وقد فهمت عائشة رضي اللّه عنها ذلك ، وأثبتته في الحديث ؛ لأنه لما وضح لها أن الشيطان مع كل إنسان ، وكانت عائشة تتيقن أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنسان ، له صفات كل إنسان ، سألته فقالت : ( ومعك يا رسول الله ) . ولولا علمها بذلك ، ما سألته عن القرين أو حتى كانت تستحي أن تسأله عن ذلك ، ولولا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشر ، فيه كل صفات الإنسان ، لأنكر عليها السؤال ، أو وجهها إلى الحق في المسألة ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم أقرها على سؤالها ، وبين لها الإجابة غاية البيان . وأنصح كل من يقرأ كتابي هذا - مع تواضعه - ، في حق خير المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم ، ألايأخذ منه ما يشتهي ، ويترك منه ما لا يعجبه ، كإثبات بشرية الرسول ، لأن من فعل ذلك ، فقد
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : أحاديث الأنبياء ، باب : قول الله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ، برقم ( 3445 ) .
شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 108 | أحمد عبد الفتاح زواوي