ثمّ أغزو فأقتل » « 1 » . رواه مسلم وروى البخاري بعضه .
الشّاهد في الحديث :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل اللّه أبدا ، ولكن لا أجد سعة ، فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني » ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم يود ويحب أن يخرج في كل غزوة وسرية ولا يتخلف أبدا عن الجهاد ، ولكن هناك فئة من المسلمين ليس عندهم مؤنة ليخرجوا للجهاد ، وليس عند النبي مؤنة تكفيهم ، فستضطر هذه الفئة أن تتخلف عن الخروج ، وستشعر بالحرج الشديد لعدم الخروج وعدم الصحبة ، لذلك أشفق عليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ورأف بحالهم وقعد خلف السرايا .
وفي الحديث فوائد جمة تظهر في الفوائد التالية :
الفائدة الأولى :
حرص النبي صلى اللّه عليه وسلم على أعمال الخير والتقرب إلى ربه - عز وجل - « لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية » ، وقوله : « لوددت أن أغزو في سبيل الله » .
الفائدة الثانية :
عظم أمر الجهاد في سبيل اللّه وجزيل ثوابه ، حتى إن النبي يقسم بربه أنه يود أن يخرج في كل سرية لولا إيثار رفع الحرج عن بعض أفراد الأمة .
الفائدة الثالثة :
قد يريد المسلم عمل خير يبتغي به وجه اللّه - عز وجل - ولكن يحال بينه وبين هذا العمل ، لسبب خارج عنه ، مثل عدم وجود المئونة ، ومن هذا نعلم خطأ من يقول : ( لو علم اللّه فيه خيرا ليسّر له ما نوى ) ، أو الحكم على اللّه أنه ييسر لمن أراد الخير لا محالة . والحديث حجة في ذلك حيث قال : « ولا يجدون سعة » .
الفائدة الرابعة :
في الحديث ما يثبت أن النبي عبد من عباد الله ، يفتقر إلى اللّه فيما يفتقر إليه كل العباد ، مثل الرزق والصحة وطلب جلب النفع ودفع الضر ، إلا أنه فضّل على الأنبياء وجميع الناس بما ورد في الكتاب والسنة ، وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يجد ما يحمل عليه الفقراء ممن أراد الخروج في سبيل الله ، مما اضطره إلى القعود خلف السرية ، ولو كان يقدر على رزقهم لرزقهم ، حتى لا يتخلف هو عن الغزو ، فعلمنا أن هذه الأمور لله وحده لا يشاركه فيها أحد ، حتى أحب الخلق إليه وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتجد مصداق ذلك في قوله تعالى :
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ سبأ : 24 ] .
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب : الإيمان ، باب : الجهاد من الإيمان ، برقم ( 36 ) ، مسلم ، كتاب : الإمارة ، باب : فضل الجهاد . . . ، برقم ( 1876 ) .