على أن تغير وجوههم لهم قبل التوبة ، إنما كان لله - عز وجل - ولم يكن لشيء في قلوبهم ، كحسدهم على بقائهم في المدينة ، أو لأنهم لم يعانوا مما عانى منه بقية الصحابة ، من مكابدة الحر ، ومشقة السفر ، ويجب علينا جميعا أن نتنبه لذلك ، وأن نتأكد من أنفسنا لماذا نبغض فلانا ؟ هل هذا البغض لمعصيته ؟ ، أم أنها كانت فرصة لإخراج ما في القلب من الغل والحسد ؟ .
وإذا سأل سائل : كيف أتأكد أني أبغض فلانا لله ، وليس لحقد في قلبي ؟
أقول له : إذا بذلت ما في وسعك لنصحه ، وحزنت لحاله ، ودعوت اللّه له في ظهر الغيب أن يهديه ويتوب عليه ، ولم تفضحه بين الناس ، بأن تقول - مثلا - لكل من تراه :
هدى اللّه فلانا فإنه على خطر ، تريد فقط أن تشنع به ، إذا فعلت ما ذكر ، فيرجى لك أن يكون غضبك لله .
الفائدة الحادية عشرة :
تعظيم الصحابة لما ينزل من عند الله ، ثم ما يكون من عند النبي ، علمنا ذلك من قول كعب - لما بشره النبي صلى اللّه عليه وسلم بالتوبة - : ( أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند الله ؟ قال : « لا ، بل من عند الله » ، فسؤال كعب عن مصدر التوبة - وهو في تلك الحالة - يدل على أنها تختلف عنده ، كونها من عند اللّه أم من عند رسول الله ، ولذلك أجابه رسول الله ، ليجعل فرحه أكبر وأكبر ، قال : « بل من عند الله » ولو كان الأمر لا يختلف في الشرع ، لقال النبي صلى اللّه عليه وسلم موجها ومعلما له : ( من عند اللّه مثل من عند رسول الله ) ، أو قال له : ( الأمر سواء ) ، وهذا الذي جعل عائشة رضي اللّه عنها تستعظم أن تنزل براءتها بقرآن من عند الله ، ولكن يجب التنبيه إلى أن الصحابة مع تعظيمهم لما ينزل من عند الله ، ما كانوا يفرقون بين أمر اللّه وأمر الرسول ، في الأمر والنهي ، وكل أمور الشرع لأن طاعتهم لرسول اللّه إنما هي بأمر اللّه - عز وجل - ووحيه ، قال تعالى :
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
[ النور : 54 ] ، وقال - سبحانه وتعالى - :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ الحشر : 7 ] .
الفائدة الثّانية عشرة :
من الحكمة أن يتعلم المسلم ، ويأخذ العبر والدروس من كل محنة تصيبه ، أو نازلة تحيط به ، حتى لا يخرج من المحن والابتلاآت صفر اليدين ، لم يتعلم شيئا ، فهذا كعب لما رأى أن الصدق قد نجاه وصاحبيه ، وأن الكذب قد أهلك من عداهم ، بل نزل فيهم قرآن يفضحهم ، أقول : لما رأى ذلك عزم ألايكذب طيلة حياته ، وجعل صدقه داخلا في توبته ، قال كعب : ( إن اللّه إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألاأحدث إلا