تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
ذلك ، وكذلك السنة ، وهو كذلك اعتقاد الصحابة كلهم جميعا ، اسمع لقول كعب : ( ولئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ) ، أي أني لو كذبت عليك سترضى عني لأنك لا تعلم كذبي ، لعدم علمك بالغيب ، فإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يعلم غيبا قد وقع أمره ، فكيف يعلم غيبا لم يقع بعد ، أو وقع قبل عصره ، والغريب أن الصحابة مع تأدبهم الشديد مع مقام النبوة ، لم يستح كعب أن يقول هذه المقولة ، والتي تصرح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يعلم الغيب ، فهذا ليس تنقيصا من حقه صلى اللّه عليه وسلم بل رفعا لقدره ، لأنه هو الذي علمهم ورباهم ، ما يكون لله وحده ، لا يشاركه فيه أحد ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ، وعجبت لمن يقول : ومن علومك علم اللوح والقلم ! ! ! ، فجعل من علوم النبي صلى اللّه عليه وسلم علم اللوح المحفوظ ، وكل ما كتبه القلم ، أي أن هذا من علمه وليس كل علمه ، واللّه إن هذا القائل ما أبقى لله شيئا يختص به من علم الغيب ، والأعجب والأدهى أنهم يتقربون لله بذلك ! ! ! ، أقول لهم : واللّه ما تزدادون بهذا الكلام إلا بعدا عن الله ، وقربا من الشيطان ، وأظن أن من اعتقد هذا الكلام قد خرج من حظيرة الإسلام ، لأنه كذّب بالكتاب والسنة ، وقد كررت هذا الكلام ومثله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب حتى يتبين للناس الحق من الباطل ، ويميزوا بين مقام الألوهية ، ومقام النبوة ، وما ينبغي إثباته للنبي صلى اللّه عليه وسلم وما لا ينبغي إثباته ، وهو ما تفرد به اللّه وحده ، ألا تصدق اللّه - عز وجل - في قوله :
فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ
[ يونس : 40 ] ، واللام هنا للاختصاص ، أي : لله وحده الغيب ، لا يشاركه في ذلك أحد ، أم تكذّب قوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
[ الأنعام : 59 ] .

الفائدة الثانية :

حرص النبي صلى اللّه عليه وسلم على تربيته الأمة على العقيدة الصحيحة ، والتي منها أن الأمر كله لله ، يحكم بما يشاء وكيف شاء ، ومتى شاء ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لأمره ، وذلك من قوله : « فقم حتى يقضي اللّه فيك » ، والذي يقضي ويحكم هو اللّه وحده ، فظل قلب كعب متعلقا باللّه - عز وجل - يسأله ويرجوه أن يقضي فيه بخير ، وإذا تيقن العبد أن اللّه هو الذي يقضي ، فكيف يؤمل في غيره ، أو يرجو سواه ؟ وهذا ما تعلمناه أيضا من القرآن في قوله تعالى :
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
[ الرعد : 31 ] ، وتقديم الخبر ( للّه ) وتأخير المبتدأ ( الأمر ) يدل على التوكيد والاختصاص ، وهذه التربية العظيمة من الرسول لأفراد هذه الأمة ، لهي من أعظم ما يمتدح به النبي صلى اللّه عليه وسلم ويثنى به عليه ، أنه عبّد الأمة لله - عز وجل - .

الفائدة الثّالثة :

فيه تقدير الصحابة لمن شهد بدرا ، وأنهم كانوا يرونهم قدوة لهم وأسوة ، لقول كعب : ( قد ذكروا لي رجلين قد شهدا بدرا ، فمضيت حين ذكروهما لي ) ، وفيه