تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
رجعت ولم أقض شيئا ، فلم يزل بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو وهمّمت أن أرتحل فأدركهم ، وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أنّي لا أرى إلّا رجلا مغموصا عليه النّفاق ، أو رجلا ممّن عذر اللّه من الضّعفاء ولم يذكرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتّى بلغ تبوك . فقال وهو جالس في القوم بتبوك : « ما فعل كعب ؟ » فقال رجل من بني سلمة : يا رسول اللّه ، حبسه برداه ونظره في عطفه . فقال معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : بئس ما قلت ، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلّا خيرا . فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال كعب بن مالك : فلمّا بلغني أنّه توجّه قافلا حضرني همّي وطفقت أتذكّر الكذب ، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا واستعنت على ذلك بكلّ ذي رأي من أهلي فلمّا قيل : إنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أظلّ قادما زاح عنّي الباطل ، وعرفت أنّي لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فيركع فيه ركعتين ، ثمّ جلس للنّاس ، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علانيتهم وبايعهم ، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه فجئته ، فلمّا سلّمت عليه تبسّم تبسّم المغضب ، ثمّ قال : « تعال » ، فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه . فقال لي : « ما خلّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ » فقلت : بلى إنّي واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ، ولكنّي واللّه لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إنّي لأرجو فيه عفو اللّه ، لا واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما هذا فقد صدق ، فقم حتّى يقضي اللّه فيك » . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني . فقالوا لي : واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلّفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لك ، فو اللّه ما زالوا يؤنّبوني حتّى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي ، ثمّ قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت . فقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت من هما ؟ قالوا : مرارة بن الرّبيع العمريّ ، وهلال بن أميّة الواقفيّ . فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ، ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة من بين من تخلّف عنه ، فاجتنبنا النّاس ، وتغيّروا لنا حتّى تنكّرت في نفسي الأرض ، فما هي