تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
7 - على الداعي أن يظهر في الدعاء شدة الافتقار إلى الله عز وجل ، وأن يظهر ما هو فيه من الحاجة ، قال تعالى في معرض الثناء على دعاء زكريا :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
[ مريم : 3 - 4 ] ففي الآية بعض آداب الدعاء التي يجب التأدب بها مثل : التيقن أن الذي تدعوه هو ربك ، الذي خلقك ورزقك ورباك على نعمائه وآلائه ، وأن تثبت له كل ما يتعلق بصفات الرب تبارك وتعالى ، من الخوف والرجاء والتوكل وحسن الظن والطمع فيما عنده ، وأنه الغني عن السؤال وأنت الفقير إلى الجواب ، وأنه سميع عليم مجيب ، وبغير التيقّن من ذلك أثناء الدعاء ، فلا يرجى للدعوة الإجابة ، علمنا ذلك من قوله تعالى :
إِذْ نادى رَبَّهُ
[ مريم : 3 ] فلو لا أن زكريا قد استشعر أن الذي يناديه ويدعوه هو الرب تبارك وتعالى ، وأنه تيقن في نفسه كل ما ينبغي للرب ، ما زكاه الله بأنه كان يدعو ربه ؛ لأن الدعوة إذا كانت باللسان دون القلب لا يعول عليها . الإخلاص لله في الدعاء ، وألا ترى غيره إلها نافعا ضارّا لأنه لا يملك من الأمر شيئا ، فزكريا عليه السلام إنما نادى ربه ، وأخلص في ذلك ، ولو أنه كان يرجو أحدا مع الله ، ما قال الله تبارك وتعالى :
إِذْ نادى رَبَّهُ
. إخفاء الدعاء ، فإن السر يعين على تحقيق الإخلاص في الدعاء ، والبعد عن المراآة والسمعة ، قال تعالى :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا
. إظهار شدة الافتقار إلى الله عز وجل ، وما يوجد في الداعي من علامات الضعف الخفية والجليلة ، قال تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
، ووهن العظم هو من علامات الضعف الخفية ، واشتعال الرأس بالشيب من العلامات الجلية ، فلم يترك سببا لإظهار افتقاره إلا بذكره ، حتى ضعف زوجته ، فقال :
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً
[ مريم : 5 ] . التوسل إليه سبحانه وتعالى أثناء الدعاء بصفاته وسابق إنعامه وفضله ، حيث بدأ زكريا دعاءه بذكر صفة الربوبية التي بها ينعم الرب على عباده ، قال تعالى :
قالَ رَبِّ
، ثم توسل إليه بقوله :
وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
[ مريم : 4 ] فهذا توسل بإقراره أن الله قد سمع كل دعواه السابقة ، وأنه بفضله ورحمته استجاب لها كلها ، وكان من فضل الاستجابة أنها رفعت عن زكريا كل أسباب الشقاء ، وهذا كله كان استدرارا من زكريا لرحمات الله المتتابعة .