تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
يتفرع على ذلك وجوب أن يتأدب المسلم عند السؤال عن علة أي حكم من أحكام الدين ، ويظهر من كلامه أن يسلم بحكمة الله البالغة في كل أمر ونهي ، وأنه يسأل سؤال المتعلم لا المتشكك ، وأن الأمر عنده لا يختلف كثيرا إذا علم أو جهل حكمة الحكم ؛ لأن عنده مطلق الإيمان بالله ورسوله . ومن أمثلة رؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم ما لا يراه أحد ، ما رواه الشيخان بإسناديهما عن أسامة رضي الله عنه قال : أشرف النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم على أطم من آطام المدينة فقال : « هل ترون ما أرى ؟ إنّي لأرى ؟ مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر » « 1 » . قال الإمام ابن حجر - رحمه الله - ( أشرف ) أي نظر من مكان مرتفع ، قوله : ( مواقع ) أي مواضع السقوط ( خلال ) أي نواحيها . قد شبه سقوط الفتن وكثرتها بسقوط القطر في الكثرة والعموم . وهذا من علامات النبوة لإخباره بما سيكون ، وقد ظهر مصداق ذلك من قتل عثمان رضي الله عنه وهلم جرا ولا سيما يوم الحرة ، والرؤية المذكورة يحتمل أن تكون بمعنى العلم أو رؤية العين ، بأن تكون الفتن مثّلت له حتى رآها ، كما مثلت له الجنة والنار في القبلة حتى رآهما وهو يصلي « 2 » . وقال - رحمه الله - في موضع آخر : ( والرؤية بمعنى النظر أي كشف لي فأبصرت ذلك عيانا ) « 3 » . وأقول : هذا هو الصحيح - إن شاء الله - لسؤال النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه : « هل ترون ما أرى ؟ » والأقرب أن يكون هذا الاستفهام من النبي صلى اللّه عليه وسلم لشيء يراه ويبصره بالعين لا لشيء يعلمه ، كما أنه لا حاجة لتأويل الرؤية بالعلم حيث إن النقل أثبتها والعقل لا ينفيها ، والقول بظاهر النص هو الأسلم .

8 - رؤيته صلى اللّه عليه وسلم غيره من وراء ظهره :

روي البخاري بإسناده عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « هل ترون قبلتي ها هنا ؟ فو اللّه ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم إنّي لأراكم من وراء ظهري » « 4 » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3597 ) ، ومسلم ( 2885 ) . ( 2 ) انظر فتح الباري ( 4 / 95 ) . ( 3 ) انظر فتح الباري ( 13 / 13 ) . ( 4 ) رواه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب : عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة ، برقم ( 418 ) .