تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمائل الرسول ( ص ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الصلاة ، فقد حرم نفسه فضل حادثة المعراج ، وخرج منها صفر اليدين ، فكانت للناس فضلا وإكرما ، وكانت عليه حسرة ووبالا ، الناس فيها وبها قد سعدوا ، وهو بسبب تركها - مع من يماثله - قد خسروا ، ولو كان في الإسلام ركن أعظم من الصلاة ، أو يساميها لفرض في هذه الليلة المباركة ، ولكن لم يزاحمها شيء من عظائم التكاليف . 3 - فرض خمسين صلاة ابتداء ، ثم تخفيفها إلى خمس صلوات في اليوم والليلة ، مع ثبوت أجر الخمسين نأخذ منه : أولا : بيان مكانة النبي عند ربه . ثانيا : علم النبي بهذه المكانة العظيمة . فالأولى : نعرفها من كون الله سبحانه تعالى قبل سؤال النبي التخفيف حتى جعلها خمس صلوات . والثانية : من كون النبي تجرأ وراجع ربه عدة مرات ، وهو في هذا المكان المقدس ، ويراجعه في ماذا ؟ في أمر عظيم كالصلاة ، لم يفعل ذلك ، إلا وهو يعلم أن الله حفيّ به ، ولن يخزيه ولن يسوءه ، ألم يقل الله له :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
[ الضحى : 5 ] ، ولا أظن أن هذه المراجعة تحدث بين وزير وملك من ملوك الدنيا ، حتى ولو كان الوزير مفضلا ، والملك متفضلا ، فنحمد الله عز وجل أولا وآخرا ، على ما أنعم به على نبينا في الدنيا والآخرة . ثالثا : إرادة الله عز وجل رفع الحرج عن هذه الأمة ، والتخفيف عنها ، مع شفقه النبي عليها ، نأخذه من مراجعة النبي صلى اللّه عليه وسلم ربّه عدة مرات واستجابة الله له في مراجعته . رابعا : عظيم امتنان الله سبحانه وتعالى على نبيه وعلى أمته ، حيث خفف الصلاة عنها ، من خمسين إلى خمس صلوات ، مع ثبوت أجر الخمسين ، وهذا الفضل شمل الضعيف صاحب الهمة المحدودة ، الذي لا يستطيع الخمسين ، كما شمل هذا الفضل صاحب الهمة العالية ، الذي قد يتمنى أن تبقى الخمسين لينال أجرها ، فعمّ خير الله ووسع فضله الجميع ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . خامسا : حكم موسى عليه السلام على هذه الأمة أنها لا تستطيع الخمسين ، رغم أن الفريضة لم يعمل بها بعد ، والأمة لم يعالجها من قبل ، قياسا على معالجته لأمة بني إسرائيل . ونحن نمتن لموسى عليه السلام هذا الصنيع ، ونشكره على هذا المعروف ، فهكذا أهل الخير ، خاصة الأنبياء من أولي العزم ، ينفع الله بهم العباد حتى بعد وفاتهم ، فهم رحماء بعباد الله ، حتى بعد انقطاع تكليفهم ولو لم تكن الأمة أمتهم ، فمن اعتاد على بذل الخير