من المقاطعة الاجتماعية والاقتصادية والعذاب الجسدي والنيل من كرامتهم لترك العقيدة الاسلامية فصبر المسلمون ودعوا اللّه تعالى بانقاذهم من شر العتاة المردة ، فأوجد الباري عزّ وجل طريقا للنجاة والكرامة لهم متمثلا في الحبشة بتسهيل أمر الهجرة إليها من جهة وهداية ملكها إلى الإسلام من جهة أخرى . فحصل المسلمون على العز والراحة والأمان في تلك البلاد .
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
« 1 » .
فاشتد غضب قريش وطار صوابها لأمور عديدة منها :
الأول : نجاة المسلمين من القتل والعذاب القرشي .
الثاني : أصبحت هجرتهم مكسبا هاما في أذهان أهالي مكة والحجاز يشجع الناس على دخول الاسلام ، ويدفع المسلمين إلى مواصلة الاعتقاد بالدين الجديد .
الثالث : خوف قريش من تحالف الحبشيين مع المسلمين ومساعدتهم لهم في صراعهم مع قريش . فتفقد مكة تجارتها مع الحبشة وتخسر صديقا قديما لها . وكان القرشيون يزورون الحبشة واليمن في رحلتهم التجارية الشتوية .
ومن الناحية العقائدية أيضا أرسلت قريش اعتى شياطينها إلى الحبشة للمجيء بالمسلمين وقتلهم ، وتقوية علاقاتها بدولة الحبشة وهم عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة وعمارة بن الوليد المخزومي « 2 » فحصل صراع عقائدي بين الإسلام والكفر في الحبشة مركزه القصر الملكي واشتدّ ذلك الصراع فانقسمت الحكومة الحبشية بين مؤيد ومعارض .
وبينما كان جعفر بن أبي طالب يقود راية الإسلام في هذا البلد كان عمرو بن العاص
يحمل راية الكفر هناك ، وبعد مناقشات حادّة نصر اللّه تعالى الموحّدين وطمس راية المشركين ، فردّ الملك هدايا القرشيين .
وهما نموذجان لتربيتين مختلفتين الأولى تربية أبى طالب وفاطمة بنت أسد الدينية
هامش
( 1 ) النحل 41 .
( 2 ) سيرة ابن هشام 1 / 360 ، البداية والنهاية 3 / 74 ، تاريخ الخميس 1 / 290 ، حلية الأولياء 1 / 114 .