تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
واحتقارها للإنسان والإنسانية ، فكان الملوك في إيران - المملكة المجاورة للجزيرة - فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة ، فكان الملك إذا احتجم ، أو فصد له ، أو تناول دواء ، كان ينادى في النّاس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط ، أو سكّان العاصمة عملا ، ويكفّوا عن كلّ صناعة أو ممارسة لنشاط « 1 » ، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له ، وإذا دعا أن يؤمن عليه ، لأنّه فوق مستوى البشر ، وإذا زار أحدا من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوما مشهودا خالدا يؤرّخ به في رسائله ويصبح تقويما جديدا ، ويعفى من الضريبة إلى مدة معينة ، ويتمتع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات ، لأنّ الملك شرّفه بالزيارة « 2 » . هذا فضلا عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط ، وأركان الدولة ، وأفراد الشعب ، ويحافظون عليها محافظة دقيقة ، من الوقوف بحضرته ، والتكفير له « 3 » ، وقيام كقيام العباد أمام الرّبّ في الصّلوات ، وهو تصوير حال كانت عليه إيران السّاسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق ، وهو كسرى الأول المعروف بأنوشيروان العادل ( 531 - 579 م ) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت ؟ وقد كانت حرّيّة إبداء الرّأي والملاحظة - فضلا عن النقد - مفقودة تقريبا
هامش
( 1 ) إيران في عهد الساسانيين : ص 535 - 536 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 543 . ( 3 ) كفر له : خضع بأن يضع يده على صدره ويطأطىء رأسه ويتطامن تعظيما ، وكانت عادة متبعة في إيران . ومن هنا شاع هذا التعبير ؛ ودخل في لغة العرب ؛ جاء في « لسان العرب » والكفر تعظيم الفارسي لملكه والتكفير لأهل الكتاب أن يطأطىء أحدهم رأسه لصاحبه كالتسليم عندنا ، وقال في شرح شطر بيت لجرير : فضعوا السلاح وكفروا التكفيرا ؛ كما يكفر العلج للدهقان يضع يده على صدره ويتطامن له ( « لسان » ج 7 ، ص 466 مادة كفر ) .