تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
الدين ، شديد الغيرة على روحه وتعاليمه وعلى عقيدة التوحيد ، شديد الحذر مما يعرّض أمّته لخطر التورّط في الأوهام والمغالاة ، وتقديس الأشخاص ، والعودة إلى الجاهليّة ، لا تأخذه في ذلك هوادة ، ولا تمنعه من الإنكار عليه مصالح قياديّة أو اعتبارات سياسيّة ، وكان في ذلك يختلف عن قادة الجماعات والزعماء السياسيين اختلافا واضحا . ومن أوضح أمثلته ما وقع عند وفاة ابنه سيّدنا إبراهيم « 1 » ، فقد كسفت الشمس يوم موته ، فقال الناس : كسفت الشمس لموت إبراهيم ، فخطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه - عزّ وجلّ - لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فادعوا اللّه وكبّروا ، وصلّوا وتصدّقوا » « 2 » . ولو كان مكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه المناسبة الحزينة العاطفيّة أيّ داع من الدعاة أو زعيم من الزعماء ، أو قائد دعوة وحركة وجماعة كان أقلّ مواقفه من هذا التعليق أو التفسير للحادث السكوت ، لأنّه كان في صالح دعوته وحركته ، ولأنّه يضفي على شخصه وأسرته ما يستطيع أن يستعين به في بسط نفوذه على قلوب النّاس وعقولهم ، وتقوية ثقتهم به ، وإعجابهم له ، وذلك شيء يتمناه قادة الشعوب والجماعات ، ومنشئو الدّول والحكومات ، ويعملون له ألف حيلة ، وقد هيّأ اللّه له ذلك من طريق الغيب ، فلا عليه إن سكت . ولكنّه صلى اللّه عليه وسلم لم يحتمل سماع هذا الكلام ، ولم يسكت عليه لدقيقة ، بل بادر إلى إزالة هذا الوهم الذي يجرّ إلى إفساد العقيدة ، وربط الحوادث الكونيّة ، وسنن اللّه تعالى في خلقه بما يقع لأفراد البشر ، ولو كانوا من الأنبياء
هامش
( 1 ) كان ذلك في العام العاشر من الهجرة ، وكان ابن سنة ونصف . ( 2 ) حديث متفق عليه . [ انظر تخريجه في الفصل الخامس ، ص 555 ] .