تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية ( الندوي ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
والراسخون في الإسلام ، من الذين نشؤوا في بيئة دينية خالصة لا شأن لها بالعالم الخارجي ، وبالثقافة العصرية ، وذلك وإن كانت موهبة من اللّه ، فإن سيرة نبيّ أرسل إلى الناس كافة ، وأرسل رحمة للعالمين ، لا يجوز أن تجعل مقصورة على هذه الطبقة السعيدة المؤمنة ، محجورة على من لم تسمح ظروفهم بالنشوء في هذه البيئة المسلمة المؤمنة ، وأرادت حكمة اللّه أن يولدوا في بيئات غير إسلامية ، ثم يدركهم اللطف الإلهي ، وتهبّ عليهم نفحة من نفحات هذه السيرة العطرة ، فينتقلون بقوتها وجاذبيتها إلى حظيرة الإيمان ومعسكر الإسلام ، وليس حق غير المسلمين على هذه السيرة وحظهم فيها أقلّ من حق المسلمين الذين نشؤوا في ظلال الإيمان والإسلام ، والدواء حاجة المريض أكثر من حاجة السليم ، والقنطرة يحتاج إليها من يعيش وراء النهر أكثر مما يحتاج إليها من يعيش دونه . ثم لا يسع المؤلّف في السيرة صرف النظر عن البيئة التي كان فيها وجودها وقيامها ، وعن العصر الذي كان فيه طلوعها وبزوغها ، فلا بد من وصف الجاهلية العالمية الضاربة أطنابها على الأرض كلها في القرن السادس المسيحي ، ومدى ما وصل إليه هذا العصر من الفساد والانحطاط ، والقلق والاضطراب ، ووصف حالته الخلقية والاجتماعية ، والاقتصادية والسياسية وما تضافر عليه من عوامل الإفساد والإضلال والتدمير والإبادة ، من حكومات جائرة ، وأديان محرّفة ، وفلسفات متطرفة ، وحركات هدّامة . وحين أراد المؤلّف أن يكتب فصلا في تفصيل وتوسّع على العصر الجاهلي يقدم به كتابه « ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ؟ » وجد في ذلك صعوبة لا ينساها حتى اليوم ، واضطرّ إلى أن يجمع المعلومات من المراجع الأجنبية والكتب التي ألّفت في تاريخ البلاد والأمم ، والدّول المعاصرة لنشوء الإسلام ، في اللغات الأوربية ، فالتقطها من ثنايا هذه الكتب كما تلتقط حبّات