وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : 216 ] .
كان من مكاسب هذا الصّلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين ، وتسليمهم لهم كفريق قويّ كريم ، تبرم معه المعاهدات ، ويتّفق معه على مفاوضات ، ثمّ كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة ، التي استراح فيها المسلمون عن الحروب التي لا أوّل لها ولا آخر ، والتي شغلتهم واستهلكت قوّتهم ، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية ، أن يقوموا بدعوة الإسلام ، في ظلّ الأمن والسلام ، وفي جوّ من الهدوء والسكينة .
وأتاح هذا الصلح الفرصة للمسلمين والمشركين على السواء لأن يختلطوا بعضهم ببعض ، فيطلع المشركون على محاسن الإسلام ، وما صنع من عجائب ومعجزات في تهذيب الأخلاق ، وتزكية النفوس ، وتطهير العقول والقلوب ، من ألواث الشرك والوثنية ، والعداء والخصومة ، والضراوة بالدماء ، والولوع بالحرب في بني جلدتهم الذين لا يختلفون عنهم في نسب وبيئة ولغة .
ولم يخف عليهم - رغم عنادهم وجحودهم - أن تعاليم الإسلام وحدها وصحبة النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم هي التي ميّزتهم عن أقرانهم وبني أعمامهم ، وجعلت منهم أمة غير أمة ، ونمطا من أنماط البشرية غير النمط القديم ، فكان في ذلك باعث قويّ على تفهّم الإسلام والاعتراف بتأثيره .
فلم يمض على هذا الصّلح عام كامل حتّى دخل في الإسلام من العرب أكثر من الذين دخلوا فيه خلال خمس عشرة سنة - ومكّة لم تفتح بعد - .
يقول الإمام ابن شهاب الزّهريّ ( ت 124 ه ) :
« فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنّما كان القتال حيث التقى الناس ، فلمّا كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس ،