من روائع الحبّ :
ولم يزل الحبّ منذ فطر اللّه الإنسان ملهما للدقائق العجيبة ، باعثا على الإشفاق على من تعلّق به القلب وأحبّته النفس ، وهذا كان شأن أبي بكر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الرحلة .
وقد روي أنّه لمّا انطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الغار ومعه أبو بكر ، كان يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أبا بكر ! ما لك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يديّ ؟ » فقال : يا رسول اللّه ! أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثمّ أذكر الرّصد فأمشي بين يديك « 1 » .
فلمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : مكانك يا رسول اللّه ! حتّى أستبرىء لك الغار ، فدخل فاستبرأه ، حتى إذا كان ، ذكر أنّه لم يستبرىء الحجرة ، فقال : مكانك يا رسول اللّه ! حتى أستبرىء فدخل فاستبرأ ، ثمّ قال : انزل يا رسول اللّه ! فنزل « 2 » .
وللّه جنود السماوات والأرض :
ودخلا الغار ، وبينما هما كذلك إذ بعث اللّه العنكبوت ، فنسجت ما بين الغار والشجرة التي كانت على وجه الغار ، وسترت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر ، وأمر اللّه حمامتين وحشيتين ، فأقبلتا تدفّان حتّى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة « 3 » ،
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الفتح : 4 ] .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية : لابن كثير ؛ ج 3 ؛ ص 180 ، نقلا عن البيهقي برواية عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .
( 2 ) المصدر السابق ، ج 3 ، ص 180 .
( 3 ) رواه الحافظ ابن عساكر بسنده عن جماعة من الصحابة ( ابن كثير ؛ ج 2 ؛ ص 240 - 241 ) .