معاني الإسراء والمعراج العميقة ومراميها البعيدة :
ولم يكن الإسراء مجرّد حادث فرديّ بسيط رأى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الآيات الكبرى ، وتجلّت له ملكوت السماوات والأرض مشاهدة وعيانا ، بل زيادة إلى ذلك اشتملت هذه الرحلة النبوية الغيبية على معان عميقة دقيقة كثيرة ، وإشارات حكيمة بعيدة المدى .
فقد ضمّت قصة الإسراء وأعلنت السّورتان الكريمتان اللّتان نزلتا في شأنه وتسمّى سورة الإسراء وسورة النجم أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو نبيّ القبلتين ، وإمام المشرقين والمغربين ، ووارث الأنبياء قبله ، وإمام الأجيال بعده ، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكّة بالقدس ، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى ، وصلّى الأنبياء خلفه ، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته
هامش
- ذهب جمهور أهل السنة إلى أن الإسراء كان بالجسد والروح ، وأن أقوى القرائن والدلائل على ذلك أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم عندما أعلن ذلك بين قريش فتن بعض الذين أسلموا - وارتدّ من ارتد - كما رواه ابن كثير ؛ ولو كان بالروح أو رؤيا رآها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لما كان في ذلك غرابة ، فالإنسان العادي يرى في المنام ما لا يصدقه الواقع ولا يخطر بخلد أحد ، ولقد ألف الناس في كل زمان ومكان الرؤى الغريبة والأحلام العجيبة ، ولا يسارعون إلى تكذيبها ؛ وقد روي منها كل غريب وشحنت به كتب الديانات وأخبار العظماء والنساك ، ولو كان ذلك مجرد عروج روحي ؛ أو قصة منام ؛ لبادر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى إخبارهم بأن ذلك وحي أوحي به إليه ، أو رؤيا رآها في المنام ، فضموه إلى ما كانوا يسمعون منه صباح مساء ، من وحي يوحى إليه وملك يأتيه فيكلمه ، فما أثار تلك الدهشة التي أثارها والتساؤلات الكثيرة التي بعثها ، فما هو بشيء جديد بالنسبة إليه . ومن شاء التوسّع في هذا الموضوع وتحقيق ما اشتمل عليه من أسرار وحقائق وحكم إلهية ، وإشارات لطيفة ؛ وفوائد تشريعية ؛ في ضوء الكتاب والسنة والعقل السليم ، فعليه بفصل « الإسراء إلى المسجد الأقصى ومنه إلى سدرة المنتهى » في كتاب « حجة اللّه البالغة » لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي المتوفى سنة 1176 ه ، ج : 2 ، ص 206 - 207 .