فخرج كنانيّ ، ودخل الكنيسة ، وأحدث فيها ، فغضب عند ذلك أبرهة ، وحلف ليسيرنّ إلى البيت حتى يهدمه « 1 » .
ثمّ سار وخرج معه بالفيل ، وتسامعت به العرب ، فنزل عليهم كالصّاعقة ، وأعظموه ، وفزعوا له ، وأرادوا كفّه عن ذلك ومحاربته ، فرأوا أن لا طاقة لهم بأبرهة وجنوده ، فوكّلوا الأمر إلى اللّه تعالى ، وكانوا على ثقة بأنّ للبيت ربّا سيحميه .
وانحازت قريش إلى شعف « 2 » الجبال والشّعاب ، تخوّفا عليهم من معرّة الجيش ، ينظرون ماذا سيصنع اللّه بمن اعتدى على حرمته ، وقام عبد المطلب ، ومعه نفر من قريش ، فأخذوا بحلقة باب الكعبة ، يدعون اللّه ويستنصرونه على أبرهة وجنده .
وأصبح أبرهة متهيّئا لدخول مكّة ، وهو مجمع لهدم البيت ، وهيّأ فيله ، وكان اسم الفيل « محمودا » وبرك الفيل في طريق مكّة ، وضربوا الفيل ليقوم ، فأبى ، ووجّهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول .
وهنالك أرسل اللّه تعالى عليهم طيرا من البحر ، مع كلّ طائر منها أحجار
هامش
( 1 ) يمكن أن يكون السبب في حملة أبرهة أهمّ وأوسع من حادث أريد به تنجيس معبد ، وأن يكون قصد أبرهة فتح مكة لربط اليمن ببلاد الشام ، وتوسيع حكم النصرانية ، ونفوذها في الجزيرة العربية ، وكان ذلك في صالح الروم والحبش ؛ وهم نصارى على السواء ، وكانت هذه الخطة - مهما كانت الدوافع إليها - تؤدّي إلى خراب البيت الذي قدّر له أن يكون هدى ومثابة للناس ، ورمز النبوة الأخيرة ؛ وتجريد مكة من سيادتها الروحية ، وذلك ما لا يرضاه اللّه . ويجوز أن يكون الروم هم المحرضين لأبرهة على فتح مكة ، لماربهم السياسية ، ومنها إضعاف نفوذ الفرس المنافس الوحيد للنفوذ الرومي على بلاد العرب .
( 2 ) [ الشّعف : جمع الشّعفة ، وهي من كل شيء : أعلاه ] .