تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
معدل من أسلم ( وكلهم نحو 300 مسلم خلال العهد المكي كله ، ثلاثة عشر عاما ) كان بمعدل حوالي اثنين في كل شهر ، وهذا لم يشكّل يأسا لأحد من المسلمين ، بل وكأنه كان للصبر مددا . ولكن مدده طاعة اللّه ورضاه ، من غير استكثار لكل تضحية ، وما نال المسلمين في سبيل ذلك . وكان الأمل دوما في اللّه غير منقطع ، كما كان ورأيناه في أحداث الهجرة كذلك . والدعوة الإسلامية على الدوام لا تقف ، فإن لم تتقدم اليوم فغدا ، أو لم يستجب لها هؤلاء القوم ، فغيرهم . فإذا عقمت أرض فعداها ، ولا تدري من أين يأتي الفرج ، لكنه دوما من المؤمنين قريب ، ما دام متوجها إلى اللّه ، كالماء يحمل الحياة ، وقد ترفضها أرض فلا يتغير ، ولا بد أن يشق طريقه مهما كانت العراقيل . لقد كان الأمل في المدينة أن أول من يؤمن فيها من ساكنيها هم اليهود ، وهم أهل كتاب . لكنهم رفضوا حسدا ، وهم يعلمون صدق هذا الدين وكتابه ونبيّه صلّى اللّه عليه وسلم
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ الأنعام : 20 ] . وتصوّر الهجرة ألوانا كثيرة من أحوال الدعوة والدعاة ، بقيادة النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم كيلا ييأس الدعاة ، إذا ما نظروا إليه وهو نبيّ ، فكيف بغيره ؟ وإذا ما أغلقت قلوبهم فتحت أخرى ، أو تصخّرت أرض تمهدت غيرها . كما أنه ليس من الضروري توفر عوامل معينة تقرّب من الدين أو تبدو كذلك وتوفر العلم به وغير ذلك ، مدعاة لهؤلاء أن يؤمنوا فلا يفعلون ، كيلا يكون الدين حكرا على أحد ، فقد يؤمن البعيد دون القريب أو الضعيف دون القوي ، فمن التحق بهذا الدين نال الشرف ، وليس الشرف بالادّعاء ، إنما بالانتساب الحق لهذا الدين سلوكا وعملا والتزاما . إنّ مقتضى الاحتفال بالهجرة وشقائقها أن تتوجّه القلوب إلى معانيها تستلهم روحها ، وتصدر عن تعاليمها ، من غير مفارقة لسمتها ، ونرجو وندعو اللّه تعالى أن تتجلى هذه المعاني التعبدية والفكرية والنفسية ، تصوّرا