تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الزمر : 53 ] . والمسلمون اليوم يتلفتون - في موسم الهجرة وأمثاله - بحثا عن معانيها ، وما هي ببعيدة ، ليجدوها في دفتي الكتاب . وكم هزلت قلوب ، حين أوصدت الأبواب . فحين تفتح الأبواب وتقبل مرتوية ، ترتقي في سلم الفضيلة . بل إن البشرية لتتلفت بحثا عن قيادة رشيدة ، قيادة إسلامية ، يعرف إنسانها ربّه . وقيادة منهج كريم يملك أن يحقق للإنسان إنسانيته ويهبه حضارته ويقيم خلافته ، وهو الأمر الذي تتحقق ويتحقق بالإسلام وحده . وكأن اللّه تعالى ، قد وهب للإنسان وعلّمه ، لينتج هذه الحضارة الحديثة ، التي ضلت الطريق ، أن يعوا درسا كبيرا : أنه ليس من شيء يغني عن شرع اللّه ، والحاضر خير دليل ، فحياة الإنسان اليوم تراب ، ينتظر المطر قبل الاحتراق ، وهو على شفا الارتطام ، في هوّة تخنقه ، يبحث عن كوة نور . وما كان لأمة أن تلد ذلك ، وهي لا تنتظر ولا تأمل ، بل تسير في عين الاتجاه ، تفخر بباطلها ، وتدّعي على الحق برهانا ، معتدية على سلطان اللّه الكريم سبحانه وتعالى . وهذا دليل آخر على أن الرقيّ البعيد عن اللّه ، يورث مزيدا من الانحراف ، مما يجعل التوجه إلى اللّه بشرعه ضرورة وحتمية ، أوثق من كل الحتميات المدّعاة جزافا . ولذلك كانت حضارة اليوم صخرية الطبيعة ، عقيمة الرحم ، وإن لجأت إلى الأنابيب ، لكنها سوف لا تلد المولود الكريم ، ما دامت شاردة عن اللّه تعالى . فالهجرة حدث فريد في التاريخ الإسلامي ، وتاريخ النبوات كذلك ، فليس له مثيل ، مثلما أراد اللّه لهذا الدين أن يكون متميزا في كل شيء ، دين يلقى هذه الصعوبة في مكة ، كان الأمل - في العوامل الظاهرة - أن يستجيب أهلها ، أكثر بمراحل ، مما فعلوا . ولكنها كانت كالصخر أو أشد ، إذ أن