ففي عين الوقت التي كانت هذه الجيوش الإسلامية الفاتحة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ( والقادة الآخرين : خالد بن الوليد وأمراء الأجناد ) بأعدادها القليلة ( 24 ألفا ) تنازل جموع الروم بأعدادها الكبيرة ( نحو 150 ألفا ) وعدتها الوفيرة بقيادة ماهان ( باهان ) الأرمني وسقلاب ( الرومي ) وجبلة بن الأيهم العربي ( ملك الغساسنة ) في اليرموك ( خامس رجب ، 15 ه ) كانت جيوش المسلمين الفاتحة كذلك القليلة ( ثلاث وثلاثون ألفا ) تواجه جموع الفرس كثيرة العدة والعدد ( 120 ألفا ، غير الاحتياط أو التبع نحو 80 ألفا ) بقيادة رستم في القادسية ( آخر شوال ، سنة 15 ه ) ( ومعه جالنوس ومهران وبيرزان وبهمن جاذويه وهرمزان ، وقتلوا عدا الأخير ) .
وكتب اللّه سبحانه وتعالى النصر الكبير للمسلمين في كليهما « 1 » .
وهذا التسامي والتمايز والانتصار ، مع التفاوت بكل ألوانه ومعداته لصالح الأعداء ، مثله كان في كل ميادين الحياة ، أظهره المسلمون وانتصروا بالإسلام وحده وتمكنوا فيه يوم التزموا به ، امتدادا للنوعية التي رباها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانت هي القدوة لغيرها من بعده . هي وهم ودوما يقتدون في أخذهم بهذا الدين وتعبيد أنفسهم للّه رب العالمين ، مقتدين برسوله الأمين صلّى اللّه عليه وسلم .
وكانت تلك العصبة التي ضحّت وأقدمت للحفاظ على هذا الدين وحمله علما وعملا ، وحرصت عليه وعضّت عليه بالنواجذ ، وصلوا القمم التي يمكن أن يصلها الإنسان ، لا يصلها إلا بهذا الدين ، ليس فردا بل ومجتمعا .
وتلك من معجزات الإسلام . وإنا لنجد ذلك ممتدا خلال العصور والأفراد . والمجتمعات الإسلامية لم تحرم منها في أي عصر ومصر .
والقوى المعاصرة شرقا وغربا وامتداداتها ، سماسرة وعملاء ، يعرفون ذلك . فهم يمكرون ويبكّرون دوما بضرب أية محاولة وأية حركة تسعى لبعث إسلاميّ جديد ، تريد إعادة إنشاء هذا اللون من الأجيال والمجتمعات وتعيد
هامش
( 1 ) البداية والنهاية . الخلفاء الراشدون ، الذهبي ، القادسية .