تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
من هذا قصة ذلك السّكوني الذي حضر ضمن وفد قومه الذين قدموا من اليمن إلى المدينة المنورة - على صاحبها الصلاة والسلام - عام الوفود السنة التاسعة للهجرة ، بصدقات أموالهم . فأكرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفادتهم وقضى حوائجهم . لكن هذا الغلام الذي خلّفه قومه على رحالهم - وهو أحدثهم سنّا كانت له حاجة أخرى . وحينما جاؤوا إلى وداع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سألهم - كعادته صلّى اللّه عليه وسلم - إن كانوا خلّفوا أحدا ؟ فذكروا الغلام ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أرسلوه إلينا » . فأقبل الغلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، إني امرؤ من بني أبذى ، يقول : من الرهط الذين أتوك آنفا ، فقضيت حوائجهم . فاقض حاجتي يا رسول اللّه ، قال : « وما حاجتك ؟ » قال : إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي ، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام ، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم ، وإني واللّه ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل اللّه عز وجل أن يغفر لي ويرحمني ، وأن يجعل غناي في قلبي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم وأقبل إلى الغلام : « اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه » . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه ، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم . ثم وافوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الموسم بمنى سنة عشر ، فقالوا : نحن بنو أبذى ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ » قالوا : يا رسول اللّه ما رأينا مثله قطّ ، ولا حدّثنا بأقنع منه بما رزقه اللّه ، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها . ولا التفت إليها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الحمد للّه إني لأرجو أن يموت جميعا » . فقال رجل منهم : أوليس يموت الرجل جميعا يا رسول اللّه ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « تشعّب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا ، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي اللّه عز وجل في أيها هلك » . قالوا : فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال ، وأزهده في الدنيا ، وأقنعه بما رزق . فلما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام ، قام في قومه فذكرهم اللّه والإسلام ، فلم يرجع منهم أحد ، وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به ،