الكينونة أو التواجد الزماني والمكاني والإنساني ، بل في نفوسهم وذواتهم ووجدانهم وكيانهم جميعا ، بكل مشمولاتها ومحتوياتها ومكوناتها ، حتى وهو غائب عنهم . وكذلك بالنسبة له صلّى اللّه عليه وسلّم حتى وهم غائبون عنه . فهو يتولى رعايتهم وتوجيههم وتربيتهم ، حتى وهو يعمل معهم ، وحتى في الحالات التي لا تدع لصاحبها مجالا لآخرين ، كالمعارك . تجد ذلك مركّزا وواضحا ومقصودا ، حتى كأنها كانت مناسبات يراد منها ذلك ويعمد له ، يتعامل معهم فيها أفرادا وجماعات كل حسب استعداده ، لكن يرتفع بالجميع ، فيوجهه حسب استعداده وطاقته وحاجته ، لكن الجميع بنفس الاتجاه .
وهم مهما ارتقوا يجدونه صلّى اللّه عليه وسلّم قدوتهم وأسوتهم ، وهو كذلك دوما .
فكأني ألمحهم موكبا متقدما نحو القمم متتابعين متعلقين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بحب لا نظير له ، وإحساس فريد متوثب ، بأجمل المشاعر ، واقتداء مهيب .
وانظر مثلا قصة أصحاب يوم الرجيع ( صفر السنة الرابعة للهجرة ) « 1 » .
العشرة ( أو الستة ) الذين أخذوا غدرا وخديعة ولؤما من قبيلتين عربيتين ، هما : عضل والقارة ، قتلوا أكثرهم وباعوا الآخرين لأهل مكة ، فقتلا في يوم واحد شهيدين ، انتقاما لمعركة بدر . هما : خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنّة . فلما قدّموا زيدا ( أو خبيبا ) « 2 » ليقتلوه صبرا ، صلبا ورميا مشدودا على الخشب ، سألوه إن يقبل أن يكون عند أهله ويكون محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقتل مكانه ، فقال : ( واللّه ما أحب أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي ) . فقالوا : ما رأينا من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا . أما خبيب فلما هددوه بالقتل إن لم يرجع عن الإسلام - نعوذ باللّه العظيم - قال : ( إن قتلي في اللّه قليل ) « 3 » .
هامش
( 1 ) البخاري : كتاب المغازي ، باب غزوة الرجيع ، رقم ( 3858 ) .
( 2 ) سيرة ابن هشام ، ( 3 / 172 - 183 ) . سبل الهدى : ( 6 / 67 - 74 ) .
( 3 ) سبل الهدى : ( 6 / 70 ) .