تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣

مثل عليا للحرص على الجهاد

وممن كان يرى هذا الرأي السادة الأخيار : أبو أيوب الأنصاري ، وأبو طلحة الأنصاري ، والمقداد بن الأسود من الصحابة ، وسعيد بن المسيّب من التابعين . وقد كان أبو أيوب يستدل بالآية السابقة ، وكان يرى أن الرغبة عن الجهاد والاشتغال بالأهل والمال إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، مستدلا بقول اللّه تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« 1 » . وقد لزم رضي اللّه عنه الجهاد في حياة الرسول وبعده ، ولم يتخلّف عن غزوة قط ، ولما حدثت الفتنة بين علي ومعاوية انحاز إلى جانب علي ، وشهد معه قتال الخوارج ، ولما أرسل معاوية ابنه يزيد على رأس جيش لغزو القسطنطينية تحرج في أول الأمر أن يخرج في جيش تحت إمرة يزيد ، ولكن نفسه التواقة للجهاد نازعته إليه وقال : ( ما ضرني من استعمل على الجيش ) ، فلحق بهم وأبلى بلاء حسنا ، ثم مرض فعاده يزيد فقال له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي إذا أنا متّ ، فاركب بي ما وجدت مساغا في أرض العدو ، فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع ، فلما توفي صلّى عليه يزيد والمسلمون ، وفعلوا به ما أوصى به ، فدفن بجوار أسوار القسطنطينية شاهدا على لون رائع من ألوان البطولة الإسلامية الفذّة ، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ، فرضي اللّه عنه وأرضاه . وروي أن أبا طلحة الأنصاري صاحب رسول اللّه وأحد الذين أحاطوا بالنبي يوم أحد ، قرأ سورة التوبة وهو شيخ كبير ، فأتى على هذه الآية :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا . .
، فقال : أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا جهزوني يا بنيّ ، فقال بنوه : يرحمك اللّه قد غزوت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى مات ، ومع أبي بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك ، فأبى ، فركب البحر غازيا ، فمات ، فلم يجدوا جزيرة يدفنونه بها إلا بعد تسعة أيام ولم يتغير ، فدفنوه بها .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ، ج 1 ، ص 438 ، ط المنار .