ولما مرض سيدنا سعد بن أبي وقاص بمكة في حجة الوداع خاف أن يموت ، فطمأنه الرسول وأشار له إلى أنه ستطول به الحياة ، وقال : « اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم » رواه البخاري .
ولهذه المعاني كان النبي يرغّب أصحابه في سكنى المدينة ، ولا يتحوّلون عنها إلا لضرورة ، فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني أحرّم ما بين لابتي « 1 » المدينة : أن يقطع عضاهها « 2 » أو يقتل صيدها » ، وقال : « المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل اللّه فيها من هو خير منه ، ولا يثبت أحد على لأوائها « 3 » وجهدها إلا كنت له شفيعا ، أو شهيدا يوم القيامة ، ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه اللّه في النار ذوب الرصاص ، أو ذوب الملح في الماء » .
الأنصار
هم أولئك الذين استجابوا إلى الإسلام من أهل المدينة أوسها وخزرجها في بيعة العقبة الأولى والثانية ، وقد كان يساكنهم بالمدينة جالية كبيرة من اليهود الذين نزحوا إليها من الشام مشردين مضطهدين ، وكان بينهم وبين اليهود وقائع وحروب ، فكانوا إذا انتصفوا من اليهود وأذلوهم قالوا لهم : لقد قرب عهد نبي يبعث من العرب وسننضوي تحت لوائه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم . فلما دعا النبي أهل المدينة في موسم الحج قالوا فيما بينهم : هذا هو الذي بشّرت به يهود ، فلا يسبقنّكم إليه ، فكان هذا من أسباب كرامة اللّه لهم بالمسارعة إلى الإسلام ونشره بالمدينة قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وقد كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية حروب وأيام مشهودة كيوم بعاث ، ولذلك لما عرض النبي عليهم الإسلام قالوا : إنا تركنا قومنا وبينهم
هامش
( 1 ) أي حرّتيها وهي الأرض ذات الحجارة السود .
( 2 ) جمع عضة شجر ذو شوك .
( 3 ) شدّتها من حر أو برد ، أو جدب مثلا .