تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وأما بعد الفتح فلم تعد الهجرة واجبة ، ففي الحديث المتفق عليه : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » ومع هذا فقد أبى اللّه ورسوله إلا أن تكون المدينة هي الوطن للمهاجرين ، فحرم رسول اللّه على من هاجر قبل الفتح أن يستوطن مكة بعد الفتح ، وأباح لمن قصدها لحج أو عمرة أن يقيم بها بعد أداء نسكه ثلاثا لا يزيد عليها ، ففي الحديث المتفق عليه - واللفظ لمسلم - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا » ولذلك رثى النبي لسعد بن خولة « 1 » أن مات بمكة كما رواه البخاري في صحيحه « 2 » . والحكمة في تحريم الإقامة للمهاجرين بمكة بعد الفتح خشية أن يعتبر هذا رجوعا في هجرتهم ، لأنهم تركوا ديارهم وأهليهم وأموالهم للّه ، وفي سبيل نصرة رسول اللّه ، فأراد اللّه سبحانه أن يستمر تركهم لها ابتغاء مرضاته ، ليكون شاهد صدق على قوة إخلاصهم ، وعظمة نفوسهم ، وسمو أخلاقهم ، وليكونوا قدوة حسنة لمن يجيء بعدهم أن من ترك شيئا للّه لا ينبغي أن يرجع إليه . هذا إلى أن المدينة - دار الهجرة - قد أضحت قلب الإسلام النابض ، ومركز الدعوة الإسلامية ، ففيها استقر الرسول بعد الهجرة ، والخلفاء الراشدون من بعده ، فما أشد الحاجة إلى أن يبقى فيها السابقون الأولون من المهاجرين من قريش ، التي تدين لها العرب كلها ، فمن ثمّ حرم على المهاجرين الأولين الإقامة بمكة بعد الفتح ، ولو أبيح لهم الرجوع لربما نزع الكثيرون منهم إلى الرجوع إليها ، فإن النفوس البشرية مجبولة على حب الوطن والرجوع إليه إذا سنحت الفرصة ، لذلك اقتضت حكمة اللّه سبحانه - وللّه الحكمة البالغة - أن يحرّم ذلك ، ليبقى المهاجرون مع الأنصار في البلد الطيب « طيبة » الذي اوى الإسلام ، ومنه انتشرت دعوة الإسلام ، وعمّ نوره الخافقين ، وهو من أسمى أنواع الوفاء .
هامش
( 1 ) سعد بن خولة من بني عامر بن لؤي من المهاجرين السابقين ، وقد مات بمكة عام حجة الوداع . ( 2 ) صحيح البخاري كتاب الجنائز . وانظر فتح الباري ج 3 ، ص 128 .
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة — صفحة 40 | محمد بن محمد ابو شهبة