واستعمال مرافقهم ، ومنها أحكام الدولة وقوانينها التي يراعيها الإنسان ، ويتقيّد بها ليسود الأمن ، ويعمّ السلام في البلاد ، فلا يقع فيها الفساد والفوضى التي تنتهي إلى الهرج ، والمرج ، والهلاك ، والدّمار . والضرب الثالث : ( الأخلاق ) وهي القيود التي توجب الآداب التقيّد بها ، وإن لم تفرض على الناس بالتشريع وأحكامه القانونية ، وباتباعها تطهر القلوب ، وتزكو النفوس ، ويرتفع مستوى المجتمع البشري ، ويتقدّم في إنسانيته .
وهذه الأربعة - الإيمان ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق - هي التي تهيئ للمجتمع أسباب النجاة .
سادتي وإخواني ! سامحوني إذا قلت لكم : إنّ التبتل في الدنيا ، والعزلة عن المجتمع ، وحبّ الخلوة عن الناس ولو لذكر اللّه ليست مما يحتمه الإسلام ، ويدعو إليه ، والإسلام نشاط دائم ، وجهاد طويل ، لذلك تراه يحثّ المسلمين على أن يكونوا دائما في عمل ، وسعي ، ونشاط ، وذلك ينافي السكون الدائم ، والانصراف عن الحركة والعمل
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ]
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثّر : 38 ] ، فالعزلة عن الناس ليست من الإسلام ، بل من الإسلام الإقدام في معترك الحياة ، واقتحام حلبة الحركة ، والزّحام لنشر دعوة الحقّ والخير ، وإصلاح البشر ، وبين أيديكم التأسي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وما كان عليه أصحابه ، فإذا عملتم كما عملوا ، وجاهدتم كما جاهدوا ، وثابرتم على إقامة الحق ، كما ثابروا ؛ كنتم مسلمين حقّا ، كما كانوا ، وكتب اللّه لكم مثل الذي كتب لهم من الفلاح في الدّنيا ، والنّجاة في الآخرة .
إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يدع إلى مثل ما دعا إليه ( بوذا ) من هجر الدنيا ، ومعارضة الفطرة بقمع الشهوات ، ومحاولة انتزاعها من النفوس ، بل دعا إلى تعديلها ، وتسكين ثورتها ، والحدّ من شططها ، والإسراف فيها .
ولم يدع إلى مثل ما يقال عن دعوة المسيح من احتقار الثروة والقوة ، بل دعا إلى تحرّي الطرق الصالحة في الحصول عليهما ، وفي حسن استعمالهما .
إنما الإسلام إيمان بالحقّ ، وعمل به ، ولذلك تفاصيل ، وفروع ومساع