تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
متنوعة ، وجهاد عظيم ، وكفاح متواصل ، فترك العمل عكس ما جاء به الإسلام ، والدّين الذي يأمر بالفرائض لا يعقل أن يرضى بالإعراض عنها . وإن شئتم تفصيل ذلك فاقرؤوا سيرة الرسول ، وادرسوا تراجم أصحابه ، أليس اللّه عز وجل قد وصف نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بقوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً
[ الفتح : 29 ] . كان في جهاد عظيم ، وكفاح مستمر ، وما برح طول حياته الشريفة مختلطا بالناس متحدثا إلى أصحابه ، يجالسهم ، ويساكنهم ، ويؤاكلهم ، ويشاركهم ، ويلقاهم بوجه طلق ، وقلب نقيّ سليم متعلق باللّه ، وبما يرضى به اللّه ، وقد تراه راكعا ساجدا للّه ، كما قد تراه عاملا ساعيا يبتغي الفضل من اللّه ، ويكسب رزقه بعمله مع تعلّق قلبه بربه ، لا يلهيه عن ذلك شيء
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] فهو إذا ذكر اللّه لا يحمله ذلك على ترك الدنيا والعمل فيها ، وهجر أهله وعياله ، وإذا قام بعمل الدّنيا لا ينقطع مع ذلك عن ذكر اللّه بقلبه ، وتحرّي مرضاته في كلّ ما يعمله . ألم يأتكم نبأ المسلمين وهم يقاتلون الرّوم في بلاد الشام ؟ إنّ العدو أرسل عيونا يتجسّسون له أحوال المسلمين في معسكرهم ، ولما عادوا إلى قائدهم قالوا : لقد رأينا عجبا ، « إنهم بالليل رهبان ، وفي النّهار فرسان » « 1 » . إخواني ! اليوم آخر عهدي بكم في هذه المحاضرات . وكنت أحسبني قادرا على أن أصف لكم رسول الإسلام ورسالته وصفا كاملا ، وإني سأوفيهما حقهما مبينا سيرة الرسول الطاهرة ومناحيها المختلفة في هذه المحاضرات الثمان ، وهاهي ذي المحاضرة الثامنة قد انتهت ، وفرغت الآن من إلقائها ، ولكن الرسالة المحمّدية قد بقيت منها نواح لم أوفّها حقّها من البيان . اللهمّ صلّ على محمّد وآله وصحبه وسلم وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين
هامش
( 1 ) قول أسير روميّ في وصف المسلمين أمام هرقل ، [ البداية والنهاية ، ج 7 ، ص 52 ] .