ما هي السّيرة الكاملة الجامعة في الرّسول ، وماذا بلغ عن ربّه ؟
سادتي ! بينت فيما سبق من المحاضرات الستّ أنّ حياة الأنبياء هي التي يجدر أن تتّخذ أسوة ، وأنّ سير الرسل هي التي تستحقّ أن تكون قدوة لبني آدم أجمعين من بين سائر الطوائف العليا من الناس ، وأنّ السيرة التي تستحقّ أن تكون أسوة لجميع الناس إلى يوم القيامة من بين سير جميع الأنبياء والمرسلين هي سيرة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم في حياته الشريفة .
ولما تبيّن أنّ سيرة الرسول العربي هي السيرة « المثالية » وفيها الأسوة الكاملة للعالم كلّه ، فإنّ لسائل أن يسأل : ما هي الحياة الكاملة ، والسيرة الجامعة في هذا الرسول ، وأيّ شيء في رسالته للناس من ربّ العالمين ، وماذا بلّغ الناس عن ربّه ، وما هي الأحكام اللازمة في رسالته التي بعث لأجلها هذا النبيّ الذي ختم اللّه به رسالاته ، وأغناهم به عن أيّ نبيّ يأتي بعده ، وكيف أصلح خاتم الرسل برسالته الأحكام السالفة من الأنبياء السابقين ، وأكمل ما كان ناقصا منها بسبب مقتضى البيئة ، وطبيعة الحال ؟
ولا شكّ أنّ اللّه سبحانه قد بعث كثيرا من الأنبياء في مختلف العصور ، وأنزل للبشر أحكاما على ألسنة رسله ، وقد قلنا مرارا ، وأثبتنا بدلائل واضحة أنّ أولئك الرسل خصّت رسالاتهم ببعض الأمم ولبعض الأزمان ، لذلك لم تمسّ الحاجة إلى حفظها من عوامل التصحيف والتحريف ، ولم تتعلق عناية اللّه بصيانتها من أيدي البلى ، وعبث الدّهر ، ووجدت بعد ضياعها تراجم دخلها كثير من التغيير والتبديل ، فبعدت التراجم عن أصلها كلّ البعد ، واختلفت ، وألحق بها ، وزيد فيها كثير ممّا لا أصل له في الصّحف المنزلة ، وأنّ ضياع تلك الأصول الأولى دليل واضح على أنّ تلك الرسالات كانت لزمن محدود قد مضى ، ولولا ذلك لاقتضت حكمة اللّه بقاء أصولها .