تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وفي البشر طوائف مختلفة ، وفرق شتّى ، تحتاج كلّها إلى حياة مثالية تكون نموذجا لها في حياتها ومعيشتها . ولكلّ إنسان من هذه الطوائف أعمال وأحوال تتقلب عليه بتقلب الظروف : بين قيام ، وقعود ، ومشي ، وأكل ، وشرب ، ونوم ، ويقظة ، وضحك ، وبكاء ، وارتداء الملابس ، وخلعها ، وأخذ ، وعطاء ، وتعلّم ، وتعليم ، وقد يموت حتف أنفه ، أو يقتل ، ويكون محسنا لغيره ، أو محتاجا لإحسان الآخرين إليه ، وقد يكون في عبادة ربه ، أو في معاملة الناس ، ومعاشرتهم ، وقد ينزل على غيره ضيفا ، أو يستقبل الضيف ويقوم له بحقّ القرى . هذه الأحوال وغيرها تطرأ على الإنسان ، وتعرض له فيما يتعلّق بجسمه ، وجوارحه ، فيحتاج في كلّ حال منها إلى هداية نافعة ، وأسوة كاملة . وأعظم من الأسوة في أعمال الإنسان الظاهرة ، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب ، ومجالات الفكر ، ونزعات العواطف ، فنحن نشعر بين كلّ حين وآخر بنزعات ، وعواطف ، تخالج قلوبنا وأفكارنا ، فنرضى ونسخط ، ونفرح ونحزن ، وتعترينا السكينة والطمأنينة ، أو القلق والضجر . وتترتب على هذه الأحوال عواطف مختلفة ، ونوازع متعدّدة . وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال ، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القوية والنوازع الثائرة ، ولا يحظ بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند جموحها ، ويحسن التصرّف فيها وقت ثورتها ، ومع ذلك فلا بدّ للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور ، فيأتمّ به في قهر هذه القوى الثائرة ، والعواطف المتوثبة إلى أن تسكن ثورة نفسه ، ويسلك في ذلك مسلك قدوته الأعظم ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ الذي يحمل بين جنبيه قلبا زكيا ، ونفسا طاهرة ، وروحا عالية نزيهة .

حياة محمد صلّى اللّه عليه وسلم جمعت ما تفرق في الأنبياء مما امتازوا به :

وهكذا المرء في كلّ خلّة من خلال العزيمة ، والشجاعة ، والشكر ، والتوكل ، والرّضا بالقدر ، والصبر على النوائب ، والتضحية ، والقناعة ، والاستغناء ، والإيثار ، والجود ، والتواضع ، والمسكنة ، وسائر ما يطرأ