تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
كانت عظيمة كاملة ، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم ، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه ؛ لما فدوه بأنفسهم . ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أسوة لأصحابه ، ومحبته ذريعة لمحبة اللّه ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] فجعل اتّباع الرسول في أخلاقه وأعماله ، والاقتداء بسنته وهديه من علامات حبّهم للّه ، ومن السّهل أن يبذل الإنسان نفسه حميّة لدينه لأمر يعرض له فجأة ، ولكن من العسير أن يقتدي المرء مدّة حياته كلّها في جميع أطوارها ، وشعبها ، ومناحيها بهدي شخص وسننه اقتداء كاملا ، لا يحيد عنه ، ولا يعدل إلى شيء غيره ، أما أصحاب محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فإنهم اتبعوه في جميع أخلاقهم ، وأعمالهم ، وسائر نواحي حياتهم وطرقها ، واقتفوا أثره ، وامتحنوا في ذلك امتحانا شديدا ، وأبلوا فيه بلاء عظيما ، ثم خرجوا من هذا الامتحان فائزين . وإنّ الولع الشديد بالرسول ، والمحبّة الصادقة له قد حمل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، ثم المحدّثين ومؤلفي السير والمؤرخين ، على أن يعنوا عناية كبرى بجمع كلّ ما يتعلق بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم من قول وعمل ، وأمر ونهي ، وحديث وخلق ، وأن يبلغوا ذلك للذين يأتون بعدهم ، فأحسنوا كلّ الإحسان ووفوا هذه المهمّة حقها ، ليعمل بهذه الهداية كلّ مسلم ما استطاع ، ولولا أنّ حياة محمد صلّى اللّه عليه وسلم كانت كاملة وعظيمة في عيون أصحابه ؛ لما اعتبروا اتّباعه شرفا لهم وكمالا ، ولما عدّوا الاقتداء به ملاك السّعادة ، وأصل الهناء ، وقوام الخير . فالإسلام قرّر أنّ حياة محمد هي المثل الكامل لجميع المسلمين ، وينبغي بيان جميع نواحيها ، وشعبها ، ووجوهها للناس كافّة ، وقد حقّق المسلمون ذلك ، وحرصوا على تعرف ذلك وبيانه ، فلم تخف منه خافية ، ولم تفقد ولا حلقة واحدة من سلسلة الحياة النبوية المباركة ، فجميع أحواله وشؤونه مسطورة في كتب التاريخ ، ومن ذلك يستدلّ على أنّها كانت حياة كاملة ، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت واضحة ناصعة معلومة من كل وجوهها ونواحيها ، جامعة لجميع المحامد ، شاملة لأكرم الأخلاق وأحسن التعاليم .