تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
إليه الكذب في القول ، أو إخلاف الوعد ، أو إخفار الذمّة ، أو نقض العهد . وإنّ من ادّعى النبوّة ، وقال : إن اللّه يوحي إليه ؛ فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد ، ومساوىء الأعمال . ألم يكن يكفي قريشا في ردّهم على الرسول أن يذكروا أمورا عمل فيها الرسول بغير الحقّ ، وأن يشهدوا عليه بأن أخلفهم وعدا ، أو خانهم في أموالهم ، أو كذبهم في شيء مما قاله لهم ؟ إنّ قريشا أنفقوا أموالهم ، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول ، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون ، لكنّهم لم يستطيعوا أن يدنسوا ذيله الطّاهر ، ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه . وكانت أحوال الرسول وشؤونه وهديه ظاهرة لجميع الناس ، معلومة لهم ، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه ، ولم يخف عليهم شيء من أمره . كان عظاماء قريش مجتمعين ذات يوم في ناديهم ، فجرى ذكر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وفيهم النضر بن الحارث « 1 » وكان رجلا داهية محنّكا ، وعالما بالأخبار ، فقال لهم : يا معشر قريش ! لقد أعياكم أمر محمد ، وعجزتم عن أن تدبروا فيه رأيا لما أصابكم به . إنّ محمدا قد نشأ فيكم حتى بلغ مبلغ الرجال ، وكان أحبّ الناس إليكم ، وأصدقهم فيكم ، واتخذتموه أمينا ، فلما وخطه الشيب ، وعرض عليكم هذا الأمر قلتم ساحر ، وكاهن ، وشاعر ، ومجنون . تاللّه لقد سمعت كلامه فليس فيه شيء مما ذكرتم ! وأبو جهل كان أشدّ الناس عداوة للرسول ، وقد قال له ذات يوم : يا محمد إنّي لا أقول : إنّك كاذب ، لكني أجحد الذي جئت به ، وما تدعو إليه . فأنزل اللّه هذه الآية :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
[ الأنعام : 33 ] « 2 » .
هامش
( 1 ) هو النضر بن الحارث بن علقمة ، كان من شجعان قريش ووجوهها ، وهو ابن خالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولما ظهر الإسلام استمرّ على عقيدة الجاهلية ، وآذاه كثيرا ، شهد « بدرا » مع مشركي قريش ، فأسره المسلمون ، وقتلوه . ( 2 ) قال السدي : التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام ، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد ، أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هاهنا من يسمع كلامك غيري . فقال أبو جهل : واللّه إنّ محمدا لصادق ، وما كذب محمّد قط ، -