تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
هذا من جهة أصحابه ، وأما أعداؤه ؛ فإنهم أفرغوا جهدهم ، واستنفذوا سعيهم ؛ ليقفوا على دخيلة من دخائله ، وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه ، فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف ، ولا ما يندّد به . وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه : إنه سلّ سيفه للقتال ، وإنّه كان كثير الأزواج ، وقد تبين لكم مما سلف أنّ حياته الطاهرة التي فصّلنا حقيقتها تفصيلا ، وأحطنا بجوانبها علما ، هي حياة العصمة من كلّ نقص ، البريئة من كلّ عيب ، فأين هذا من حياة لا نعلم عنها شيئا ، ولا تزال نواحيها ووجوها سرّا في ضمير الزّمن ؟ !

كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم معروف الدخائل لأعدائه أيضا فلم ينقلوا عنه إلا خيرا :

إخواني ! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر : إنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لم يقض حياته كلّها بين أحبابه وأصحابه ، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث ، فكان بين أهلها مشركي قريش ، وكان يتعاطى فيهم التجارة ، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار ، وهي الحياة اليومية ، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء ، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء ، فيتبين للناس فسادها وصلاحها ، وهي عيشة طويل طريقها ، كثيرة منعطفاتها ، وعرة مسالكها ، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة ، وإخفار عهد ، وأكل مال بالباطل ، وعقبات من الخديعة والخيانة ، وتطفيف الكيل ، وبخس الحقوق وإخلاف الوعد . وإنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة ، وخلص منها سالما نقيا ، لم يصبه شيء مما يصيب عامّة الناس ، حتى لقد دعوه « الأمين » . وإنّ قريشا بعد بعثته وادّعائه النّبوّة كانوا يودعون عنده ودائعهم ، وأموالهم لعظيم ثقتهم به ، وقد علمتم أنّه صلّى اللّه عليه وسلم لما هاجر من مكة خلّف فيها عليّا ليردّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها . فقريش خالفوه أشدّ الخلاف في دعوته ، ولم يتركوا سبيلا إلى ذلك إلا سلكوه ، فقاطعوه ، وعاندوه ، وصدّوا عن سبيله ، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلّي ، ورموه بالحجارة ، وأرادوا قتله ، وكادوا له كيدهم ، وسمّوه ساحرا ، ودعوه شاعرا ، وفنّدوا آراءه ، وسخّفوا حلمه ، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئا في أخلاقه ، ولا أن يرميه بالخيانة ، أو ينسب
الرسالة المحمدية — صفحة 101 | سيد سليمان ندوى