ومع ذلك فإننا نقبل الاعتراض ، وإن كانوا غير مخلصين ، ولا مؤمنين بما يقولون . ونقول في رده إن العرب المشركين عندما رأوا القمر قد انشق ، لم يؤمنوا وقالوا : سحرنا محمد - وحكى الله تعالى عنهم ذلك ، فقد قال الله تعالى في واقعة انشقاق القمر :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ . وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
« 1 » .
وبعضهم أراد أن يتعرف ، وانتهى تعرفه بأن الناس الذين علموا أمره من غير المقيمين قد رأوه منشقا .
فقد روى الإمام أحمد ، والشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة ، فقالوا : انظروا ما يأتيكم به السفار ، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .
وروى البيهقي مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود أيضا ، فقد قال : انشق القمر بمكة المكرمة حتى صار فرقتين ، فقال كفار قريش لأهل مكة المكرمة : هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة ، انظروا السفار ، إن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق ، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم ، فهو سحر سحركم به ، قال فسئل السفار ومن قدموا من كل وجهة ، فقالوا : رأينا .
من هذه الصحاح يتبين أن الرؤية كانت عامة ، ولم تكن مختصة بإقليم ولا ببلد ، وقد تحرى أهل الفحص والنظر فرأوا أن قد رؤى في كل الأماكن التي كانت تجاورهم . أو أتى فيهم السفر بخبره ، فدل هذا على أن الرؤية كانت عامة ، والقران الكريم صادق وأخبار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صادقة من كل الوجوه ولا سبيل لإنكارهم بتوهم متوهم ، أو استغراب مستغرب ، فأمارات الصدق قائمة بينة ، ولا يرد الأمر البين بتوهم واهم ، أو استغراب مستغرب ، أو إنكار كافر جحود .
وفوق ذلك ، فإنه جاءت الأخبار بأن انشقاق القمر قد رؤى في الهند ، قال المؤرخ ابن كثير :
ومع ذلك فقد شوهد ذلك في كثير من بقاع الأرض . ويقال : إنه أرخ بذلك في بعض بلاد الهند . وبنى بناء في تلك الليلة ، وأرخ بليلة انشقاق القمر « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة القمر : 1 ، 2 .
( 2 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 120 .