تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وإنه إذا كان قد سار في طريق التأمل والعبادة ، وفي وسط ذلك الديجور المظلم من عبادة الأوثان ، لابد أن يختلى محمد صلى الله عليه وسلم عنهم لينصرف إلى ربه ، ولكيلا يكون في قلبه غيره ، ولكي يعبده كأنه يراه ، وقد وصل بقلبه المشرق إلى درجة الإحسان ، فالاختلاء إذن كان أمرا لابد منه ، ليكون لله واحده . ولكن ذلك النظام الرتيب الذي التزمه ، بأن يعبد الله منفردا بعبادته طول العام ، ثم يختلى خلوة العابد شهرا من كل عام ، هو شهر رمضان ، في أي وقت ابتدأ ؟ الظاهر من عبارات الصحاح من الأخبار أن ذلك لم يكن فقط عام البعث المحمدي ، بل ذلك العام اختتم بأن الحق نزل عليه ، وجاءه روح القدس رسولا من عند ربه ، فلابد أن يكون قبل ذلك النظام الرتيب ، ونحسب أنه قبله بأعوام ، لا نستطيع أن نحدس بها ، وإن كان يتسابق إلى عقولنا ، أنها مدة لا تقل عن خمس سنين ، من وقت تمام بناء البيت الحرام ، ووضعه الحجر الأسود بيده الكريمة ، وإن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين . 194 - بقي أن ننظر في الأمر الثاني ، وهو بأي شيء ابتدأ الوحي ، لقد قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها « إن الوحي ابتدأ بالرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح » وإن ذلك لا يدل على أن ابتداء إنباء الله تعالى لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالرؤيا الصادقة . ولكنه يدل على أن ابتداء الإشراق الإلهى ، والاتصال الرباني كان بالرؤيا الصادقة ، والرؤيا الصادقة ، وإن كانت جزا من الإلهام الإلهى ، وليست هي الوحي الذي يقام عليه التكليف بالنسبة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزا من الوحي » فليست بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام هي الوحي ، وإن كانت بالنسبة لإبراهيم عليه السلام كانت وحيا كاملا ، وبالبناء عليها هم بأن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام ، حتى هداه رب العالمين ، كما قال تعالى :
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
« 1 » فكانت الرؤيا إنباء . إن المقرر لدى المؤرخين للسيرة الطاهرة أن الوحي ابتدأ بخطاب روح القدس جبريل عليه السلام ، ولكن جاء في سيرة ابن إسحاق أن أول خطاب لجبريل لمحمد عليه الصلاة والسلام كان برؤيا صادقة في المنام ، ثم صحا يحفظها عليه الصلاة والسلام . فقد جاء في سيرة ابن هشام : « وجاء جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءنى وأنا نائم بنمط « 2 » من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ . قلت : ما أقرأ . قال : فغتنى به ،
هامش
( 1 ) سورة الصافات : 107 . ( 2 ) النمط وعاء .