تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
192 - كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العبادة ، ومن وقت أن اطمأن إلى رزقه ، ونظم تجارته في مال خديجة بأن يعمل غيره تحت إشرافه ، ولم يكن ثمة حاجة إلى خروجه بنفسه للتجارة ، فلم يذكر أنه خرج بنفسه ، بعد خروجه وهو في الخامسة والعشرين من عمره . وكلما تقدمت به سن الشباب ازداد نسكا واختلاء وانصرافا عن الملاذ والشهوات في غير تحريم الحلال ، أو إبعاد لطيب من طيبات ، بل كان يأكل ويشرب في غير سرف ولا مخيلة ، كما بيّن في شريعته التي أرسل بها رحمة للعالمين . وقد اتخذ لنفسه شهرا من أشهر السنة يختلى فيه بغار حراء ، وكان حراء نسكا للعرب في جاهليتهم ، كما جاء في البداية والنهاية لابن كثير ، فقد قال « وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا ينسك فيه ، وكان من نسك قريش في الجاهلية » « 1 » أي أنه كان من الأماكن التي تعتبرها قريش من النسك في الجاهلية ، ولعلهم كانوا يضيفونها إلى نسك الحج ، وقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا خير مكان لعبادته ، لأنه لا يطرق طول العام ، ولم يكن كالبيت الحرام ، إذ يطاف بالكعبة المشرفة فيه كل يوم ، ويظهر أنه بمضي الزمان قد هجر اتخاذه نسكا ، ولعله كان مما أضيف إلى مناسك من غير شريعة إبراهيم عليه السلام ، وليس بحث هذا ذا جداء في موضوعنا . جاءت الصحاح بأنه كان عليه الصلاة والسلام يتحنث ( أي يتعبد على الحنيفية السمحة ) الليالي ذوات العدد ، وكان يتخذ دائما شهر رمضان من كل عام يتزود لذلك ، ويبتدى بالذهاب إلى البيت الحرام يطوف به ، ويتصدق بالصدقات العظيمة ويطعم الطعام ، ثم يذهب إلى غار في جبل حراء ، لم يكن في سفحه ، بل كان أعلى من ذلك . ولا يصل إليه قاصده إلا بمرتقى صعب ، وليس بالسهل ، والناظر إليه الان لا يجد الوصول إليه بغير شق النفس مما يدل على أن الله تعالى أعطى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام بسطة في الجسم ، وقوة احتمال ، ورغبة صادقة في العبادة ، لا يقوى عليها إلا أولو العزم من العباد . حتى إذا أتم الشهر وهو رمضان عاد إلى بيته ، وقبل أن يأوى إليه يمر بالبيت الحرام ، فيطوف ، ويتصدق بما بقي معه من زاد ، ويطعم الطعام مما بقي له ، ثم يأوى إلى خديجة زوجته الطاهرة .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 5 .