أولهما - كيف يرضى طالب الحق بالتعب في سبيل طلبه ، هذا شاب صغير يكاد يكون غلاما ، يعيش في ظل أبيه في عيش رافغ ، وهناءة من الرزق ، يرى كنيسة فيها عباد لا يعبدون النار الذي كان سادنا لها ، فتستهواه عبادتهم ، فيتقدم لأبيه برغبته في أن يكون نصرانيا فيكبله أبوه بالحديد ، فلا ينثني ، ويجتهد في أن يفك أغلاله ، ويلحق بهم فيكون له ما يريد ، ثم يحمل نفسه عناء الانتقال من إقليم إلى إقليم حتى يصل إلى الحق الذي يريده ، ويصاب بالرق فيصبر ، ولا ينثني عن غايته ، ويقبل أن يعيش مظلوما في قيد الرق صابرا محتسبا ، حتى يصل إلى غايته ، وهو التقاؤه بمن يطلبه حتى وجده ، وكان العون من الله في فك رقبته ، إنه العابد الصابر حقا ، من يوم فك قيود أبيه ، فقد فك معها قيود عقله ، ونفسه ، وصار ديانا لله سبحانه وتعالى ، لا يبغى إلا رضاه ، وإذا كان قد غادر أباه فقد انتهى إلى حضن رسول الحق فاحتضنه هو ، وقال عليه الصلاة والسلام : سلمان منا آل البيت .
الأمر الثاني : وهو الجوهري في القضية أن أمر نبي منتظر كان معروفا بين العرب في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو المقصد الأصلي من سوق القصة مع طولها ، فالعرب كانت أسباب العلم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم معلومة عندهم ، علمها طلابها ، والذين صفت نفوسهم وجهلها الأكثرون لعدم الاتجاه إلى تعرفها ، ولم يكن عندهم الاتجاه الديني ليعرفوا ما لم يعرفوا من شؤون الدين في قابل حياتهم ، حتى جاءهم البشير النذير يقرع بالحجة القاطعة مسامعهم ، ليكون من بعد ذلك العقاب أو الثواب ، قال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
.
يهود تخبر عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] المنتظر :
184 - قد ذكرنا فيما مضى إشارة إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا من الوثنيين بنبي مرسل يكون لهم ، ويكون على الوثنيين ، ينصر اليهود ، ذكرنا بالإشارة ، ولكن في هذا المقام لا تغنى الإشارة عن العبارة ، فلابد من أن نذكر بعض الإيضاح ليتبين الباحثون من معرفة أن العصر كانت فيه البيانات الكافية التي تبين أن رسولا من قبل الله تعالى وشيك أن يظهره الله تعالى بينهم مصحوبا بحجته ، مبينا بآياته ودعوته .
ولم يكن ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لمن عاصروه من الأوس والخزرج فقط ، بل كان من قبل أن تقع الحروب بين اليهود وبينهم .
فقد ثبت في التاريخ أن تبعا أبا كريب اليمنى جاء إلى يثرب وأحنقه أن بعض أهلها قتل رجلا من رجاله ، فقاتلهم ، وبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة ، وهما عالمان بأصول الديانة اليهودية ومصادرها ، والمخبوء من وثائقها ، وقالوا له :