تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
التكامل الإنسانى في محمد [ صلى الله عليه وسلم ] 128 - نتقدم بهذا الباب من القول بين يدي المبعث المحمدي ، لنتعرف من اختاره الله تعالى من بين خلقه رسولا للعالمين ، وكيف قد أدبه الله تعالى بتأديبه الكريم ، وخلقه كاملا ، لأن رسالته دعوة إلى الكمال ، فهو الكمال المطلق في التكوين البشري ، ونحن نريد أن نقدم ما كان من خلق فطري ، لم يكسبه من الوحي الإلهي ، وإن كان متطابقا مع ما جاء به الوحي ، وما أدبه به القران ، حتى كان خلقه المتين . وكان كما قالت عائشة رضى الله تعالى عنها « خلقه القران » ، وما كان خلقيا بمقتضى التكوين كان متفقا مع ما جاء به الوحي ، وما دعا إلى خلقه ، وقاربوا فيه ، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . جاء في كتاب الشفاء للقاضي عياض في مقدمة كلامه في أوصاف محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان : ضروري دنيوي اقتضته الجبلة ، وضرورة الحياة الدنيا ، ومكتسب ديني ، وهو ما يحمد فاعله ، ويقرب إلى الله تعالى زلفي ، ثم هي على فئتين أيضا ، منها ما يتخلص لأحد الوصفين ، وما يتمازج ويتداخل . . فأما الضروري المحض ، فما ليس للمرء فيه اختيار ، ولا اكتساب ، مثل ما كان في جبلته عليه الصلاة والسلام من كمال خلقته ، وجمال صورته ، وقوة عقله ، وصحة فهمه ، وفصاحة لسانه ، وكرم أرضه ، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه وملبسه ومسكنه ومنكحه وماله وجاهه . وأما المكتسبة الأخروية ، فسائر الأخلاق العلية والفضائل الشرعية من الدين ، والعلم والحلم ، والصبر والشكر ، والعدل ، والزهد ، والصمت والتؤدة والوقار والرحمة وحسن الخلق ، والمعاشرة وأخواتها ، وهي التي جماعها حسن الخلق » . ونرى من هذا أن القاضي عياض قد قسم الأوصاف التي تحلى بها النبي عليه الصلاة والسلام قسمين : أحدهما - كان بالفطرة الإنسانية وهي كمال الفطرة ، ويلحق بها أوصافه الجسمية صلى الله تعالى عليه وسلم - وثانيهما ما اكتسبه بمقتضى التعاليم الشرعية ، وذكر منها التواضع والحلم ، والصبر والشكر ، وحسن المعاملة . وبشكل عام ما يتعلق بحسن الأخلاق الذي هو جماع الفضائل الإنسانية ، ويذكر أن من هذه الصفات المكتسبة بحكم الشرع الشريف والوحي إليه مما تلتقى فيه الفطرة المستقيمة مع الوحي ، فالجود والتواضع والصبر والفصاحة ، والتأني ، وحسن التأتى للأمور ، والرفق في القول والعمل ، ولين الجانب من غير ضعف ، والقول الحق من غير عنف ، كل هذه الصفات كانت في محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم . كانت فيه بفطرته المستقيمة ، وبتهيئة الله تعالى ، قبل الرسالة ، إعدادا لهذا المنصب الخطير ، وهو رسالة الله تعالى إلى خلقه .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 161 | محمد ابو زهره