تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وإنا لنذكر في هذا الباب من الكتاب ، ما كان فيه بمقتضى الطبع الإنسانى السامي الذي فطره الله تعالى عليه . وما كان من صفات تتعلق بالمعاملات ، والعلاقات الانسانية والمودة والرحمة والرفق ، والفصاحة ، وغيرها مما كانت مهيئة للرسالة ، وتحمل الأعباء ، والقيام بحق هذه الرسالة والدعوة إليها بما يزكيها وينميها ، وإذا كانت قد استمرت فيه بعد البعثة ، فإنها ثمرة الله في غرسه ، وتناول الناس أكله ، وإذا كنا نستشهد على هذه الصفات بما جاء من أقوال أصحابه من بعد البعثة ، فليس ذلك لأن البعثة هي التي أوجدتها ، بل لأنها الأقوال الناطقة المؤيدة لذلك ، فقد أوجدها فيه العلى القدير . وقدمناه على الرسالة لأن الله تعالى أعدها فيه ليكون كاملا ، وليقوم بأعبائها .

1 - وفور عقله

129 - لم يتوافر العقل في إنسان كما توافر في محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ولو لم ينزل عليه الوحي ويخاطب من السماء لكان عقله واحده كافيا لأن ينشئ دولة ، ويقيم مجتمعا طيبا فاضلا . ولكن أتم الله تعالى عليه نعمته ، فجعله نبيا مرسلا ، فاجتمع له الكسب الذاتي بالإدراك بالفطرة الإنسانية العالية المكتملة بالتكوين الإنسانى والرسالة الإلهية الهادية المرشدة ، وكانت الأولى مقدمة للثانية ، وما كانت إحداهما لتغنى عن الأخرى . فما كانت الرسالة تجىء لغير عقل كامل ، وفكر مدرك ، وشخصية كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته . وما كانت الكفاية العقلية في أسمى علوها بمغنية عن الرسالة ، لأن العقل لا يمكن أن يكون واحده كافيا في تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين ، إنما العقل يدبر ما يحيط به ، وهو من غير هداية الوحي لا يفكر فيما بين يديه ، ولا يخترق الحجب والأستار إلى ما وراء ما لديه ، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل ، وهو عالم الغيب والشهادة ، فمهما تكن قوة العقل ، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه ، وكل شيء عند ربك بمقدار . منذ نشأ محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم والعقل المكتمل حليته العليا التي سما بها على الغلمان أترابه ، فمنذ استوى غلاما ، والعقل يزينه ، ولقد بدا ذلك لجده عبد المطلب الذي أخذه ليعوده أخلاق الرجال المكتملين . ولما ذهب إلى بيت عمه أبى طالب بعد وفاة جده القريب ، كان الغلام الرزين المكتمل وسط أولاد أبى طالب ، لا يسبق الأيدي إلى الطعام ، ولا يدخل في زحمة الاغتراف ، بل يتريث غير نهم ولا جشع ولا طامع ، بل الهاديء الرزين ، قد يكتفى بالقليل أو ما دونه حتى يتنبه إليه عمه الشفيق فيقرب إليه ما يبعد ، ويخصه بما يكفيه مئونة المزاحمة ، حتى إذا بلغ قدرا يستطيع فيه الاكتساب عمل على رعى الأغنام ليأكل من عمل يده ، ولينال من خير الدنيا بمقدار ما قدم فيه من نفع غير مؤثل ولا مقصر .