حثّ النَّبي والأئمّة وتحريضهم المسلمين على أن ينتفعوا من ليلة القدر لحظة فلحظة ، حتّى نهى النَّبي صلى اللّه عليه وآله من النوم في اللّيلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان ، وهو الّذي يفسّر أيضا حرص بضعته البتول السيّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام على ألّا ينام أحد من أهل بيتها في هذه اللّيلة .
أجل ، إنَّ من يعيش نعمة الإيمان بالقرآن ، ويدرك أنَّ العملَ في ليلة واحدة يعادل في بركاته لحياته الخالدة وعطاءاتهلتلك الحياة الأبدية ، العملَ خلال عمر طويل ، لا يسعه التفريط بهذه الفرصة الثمينة الغالية والهبة الّتي لا تضاهى .
3 . دوام ليلة القدر
تفيد عمليّة دراسة آيات سورة القدر وتحليل النصوص الإسلامية ، أنَّ ليلة القدر لا تختصّ بزمان نزول القرآن وبعصرالنَّبي صلى اللّه عليه وآله ، وإنَّما هي دائمة مستمرّة منذ بداية خلق الإنسان ، وأوّل وجوده إلى نهاية العالم وآخر وجودالإنسان فيه ، وذلك للاعتبارات التالية :
أوّلًا : إنَّ ليلة القدر ظرف لنزول القرآن ، ولابدّ أن يكون الظرف موجودا قبل المظروف .
ثانيا : استخدام الفعل المضارع " تنَزّل " في سورة القدر له دلالته على الاستمرار ، وكذلك يشير استعمال الجملة الاسمية :
" سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ "
« 1 » إلى الدوام .
ثالثا : أكّد القرآن الكريم عدّة مرّات على ثبات السنّة الإلهية في تدبير العالم ، وأنَّه لا تغيير في هذه السنّة ولا تبديل « 2 » ، ومن ثَمَّ فإنّ هذه السنّة الإلهية الّتي تقضي بتدبير أُمور الإنسانية وتقدير شؤونها ، عامّة تشمل الأمم والأقوام جميعا في
هامش
( 1 ) قدر : آية 5 .
( 2 ) " فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا " ( فاطر : 43 ) وراجع : الإسراء : 77 والأحزاب : 38 و 62 والفتح : 23 .