عَمرِو بنِ العاصِ ، فَقالَ : إنّي لاحَيتُ « 1 » أبي فَأَقسَمتُ ألّا أدخُلَ عَلَيهِ ثَلاثا ، فَإِن رَأَيتَ أن تُؤوِيَني إلَيكَ حَتّى يَحِلَّ يَميني فَعَلتَ ، قالَ : نَعَم .
فَإِذا لَهُ خَيمَةٌ ، ونَخلٌ ، وشاةٌ ، فَلَمّا أمسى خَرَجَ مِن خَيمَتِهِ ، فَاحتَلَبَ العَنزَ ، وَاجتَنى لي رُطَبَةً ، ثُمَّ وَضَعَهُ فَأَكَلتُ ، فَباتَ نائِما وبِتُّ قائِما ، وأصبَحَ مُفطِرا وأصبَحتُ صائِما ، فَفَعَلَ ذلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ ، غَيرَ أنَّهُ كانَ إذَا انقَلَبَ عَلى فِراشِهِ ذَكَرَ اللّهَ تَعالى وكَبَّرَ حَتّى يَقومَ لِصَلاةِ الفَجرِ ، فَيُسبِغَ الوُضوءَ ، غَيرَ أنّي لا أسمَعُهُ يَقولُ إلّا خَيرا .
فَلَمّا مَضَتِ اللَّيالي ، وكِدتُ أحتَقِرُ عَمَلَهُ ، قُلتُ : يا عَبدَ اللّهِ ، إنَّهُ لَم يَكُن بَيني وبَينَ والِدي غَضَبٌ ولا هَجرَةٌ ، ولكِنّي سَمِعتُ رَسولَ اللّه صلى اللّه عليه وآله يَقولُ لَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ في ثَلاثِ مَجالِسَ : " يَطلَعُ عَلَيكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِن أهلِ الجَنَّةِ " فَطَلَعتَ أنتَ تِلكَ المَرّاتِ الثَّلاثَ ، فَأَردتُ أن آوِيَ إلَيكَ فَأَنظُرَ ما عَمَلُكَ ، فَأَخبِرني ما عَمَلُكَ ؟ ! قالَ : فَائتِ الَّذي أخبَرَكَ حَتّى يُخبِرَكَ بِعَمَلي .
فَأَتَيتُ رَسولَ اللّه صلى اللّه عليه وآله فَقالَ : ايتِهِ فَمُرهُ فَليُخبِركَ .
فَقُلتُ : إنَّ رَسولَ اللّهِ صلى اللّه عليه وآله يَأمُرُكَ أن تُخبِرَني .
قالَ : أمّا الآنَ فَنَعَم ، لَو كانَتِ الدُّنيا لي فَاخِذَت مِنّي لَم أحزَن عَلَيها ، ولَو اعطيتُها لَم أفرَح بِها ، وأبيتُ ولَيسَ عَلى أحَدٍ في قَلبي غِلٌّ ، ولا أحسُدُهُ عَلى خَيرٍ أعطاهُ اللّهُ إيّاهُ .
قالَ عَبدُ اللّهِ : لكِنّي وَاللّهِ أقومُ اللَّيلَ ، وأصومُ النَّهارَ ، ولَو وُهِبَت لي شاةٌ لَفَرِحتُ بِها ، ولَو ذَهَبَت لَحَزِنتُ عَلَيها ، وَاللّهِ لَقَد فَضَّلَكَ اللّهُ عَلَينا فَضلًا بَيِّنا . « 2 »
هامش
( 1 ) لاحَيتُ الرجُلَ : إذا نازعتَه ( الصحاح : ج 6 ص 2481 " لحى " ) .
( 2 ) نوادر الأصول : ج 1 ص 385 .